أعلنت مليشيا “الدعم السريع” يوم الاثنين سيطرتها الكاملة على مدينة بابنوسة، آخر مواقع الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان، في وقت تشهد فيه المنطقة معارك عنيفة أسفرت عن عشرات القتلى وآلاف النازحين.
وذكرت المليشيا في بيان رسمي أن قواتها، بالتعاون مع “قوات التأسيس” المتحالفة معها، نفذت “عملية عسكرية دقيقة” انتهت بالسيطرة على الفرقة 22 مشاة ومدينة بابنوسة بالكامل، مشيرة إلى أنّ العملية هدفت إلى “تحييد التهديدات العسكرية التي استهدفت المدنيين في عدد من المناطق”.
وأوضحت أن الهجوم جاء ردًّا على “عملية مباغتة” شنّها الجيش السوداني ضد مواقع “قوات التأسيس” في بابنوسة، رغم ما وصفته بـ”الالتزام الكامل بالهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار منذ بدايته”.
كانت “الدعم السريع” قد أعلنت قبل أيام هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر من طرف واحد، استجابة لمقترح “الرباعية الدولية” بشأن السودان، وهو المقترح الذي رفضه الجيش.
تقع مدينة بابنوسة، مقر الفرقة 22 مشاة، في قلب ولاية غرب كردفان على بُعد نحو 700 كيلومتر جنوب غرب العاصمة الخرطوم. وتُعد مركزًا اقتصاديًا مهمًا في الإقليم لاحتوائها على مصنع ألبان كبير ومحطة تقاطع رئيسية ضمن شبكة سكك حديد السودان، كما تكتسب أهميتها من موقعها الحدودي مع جنوب السودان وخط السكة الحديدية الذي يربطها بمدينة واو، وتبعد عن نيالا 360 كيلومترًا وعن الفاشر 420 كيلومترًا.
تصاعد القصف في جنوب كردفان
شهدت منطقة كمو يوم السبت الماضي قصفًا مكثفًا أوقع ما لا يقل عن 40 قتيلًا وعددًا من الجرحى. واتهمت “الدعم السريع” والمنظمة الحقوقية “محامو الطوارئ” الجيش بتنفيذ الهجوم.
وفي بيان منفصل، قالت “الدعم السريع” إن الجيش استخدم طائرة مسيّرة في القصف صباح السبت، بينما ذكرت المتحدثة باسم “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال”، المتحالفة مع “الدعم السريع”، أن مدينة كاودا ومناطق مجاورة تعرضت للقصف في 29 نوفمبر عبر الطيران والطائرات المسيّرة.
وأشار بيان صادر عن مجموعة “محامو الطوارئ” إلى أن القصف استهدف مدرسة حكيمة للتمريض العالي في كمو، ما تسبب في سقوط عشرات الضحايا من الطلاب.
وأكد شهود محليون وقوع دمار واسع، إذ أفاد أحد سكان هيبان، كافي كالو، بأنه شاهد النيران تلتهم المدرسة بعد القصف، مضيفًا: “خرجت 40 جنازة من كمو في ذلك اليوم”، بينما قال تيه عيسى إن السكان حفروا أكثر من 40 قبرًا لضحايا الهجوم.
في المقابل، نفى مصدر عسكري في الجيش السوداني استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية، فيما تشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية إلى نزوح أكثر من خمسة آلاف شخص من قرى جنوب كردفان الشهر الماضي بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
النظام المدني والهدنة المقترحة
كانت مليشيا “الدعم السريع” قد سيطرت أواخر أكتوبر الماضي على مدينة الفاشر في شمال دارفور، ما منحها السيطرة الكاملة على الإقليم، قبل أن تمتد المعارك إلى ولايات كردفان الغنية بالنفط والأراضي الزراعية.
وتشكل ولاية كردفان منطقة استراتيجية تربط بين دارفور والعاصمة الخرطوم، التي لا تزال تحت سيطرة الجيش منذ بداية العام. وبعد أسابيع من سقوط الفاشر، أعلنت “الدعم السريع” هدنة أحادية الجانب “استجابةً للجهود الدولية، بما في ذلك مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووسطاء الرباعية الدولية”. وقد رفض قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، هذا المقترح وناشد الرئيس الأمريكي العمل من أجل السلام في السودان، واصفًا المقترح بأنه “الأسوأ حتى الآن”.
من جهته، دعا مبعوث الرئيس الأمريكي إلى أفريقيا، مسعد بولس، طرفي النزاع إلى قبول الهدنة دون شروط مسبقة، معتبرًا أنها “خطوة حاسمة نحو حوار مستدام” يمهّد لـ”الانتقال إلى نظام مدني”.
تراجع سيطرة الجيش
وبسيطرة “الدعم السريع” على الفرقة 22 في بابنوسة، بات وجود الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان مقتصرًا على اللواء 91 في منطقة هجليج المنتجة للنفط. كما يحتفظ الجيش بسيطرته على ولاية جنوب كردفان ومدن رئيسية في شمال كردفان، في حين تسيطر قوات “الدعم السريع” على مدن عدة بشمال الولاية مثل بارا والخوي والنهود والدبيبات والحمادي.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انقسم السودان فعليًا إلى مناطق نفوذ، إذ يحتفظ الجيش بالسيطرة على الشمال والشرق، بينما تسيطر مليشيا “الدعم السريع” على الغرب وأجزاء من الجنوب. وأسفر النزاع عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 12 مليون شخص، وفق إحصاءات الأمم المتحدة، التي تصف الوضع في السودان بأنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.
اليراع – أ ف ب

