طرابلس ـ «القدس العربي»: على شاطئ مدينة الخمس شرق طرابلس، تمددت الأكياس السوداء التي احتوت جثث مهاجرين لفظهم البحر بعد حادث غرق جديد، بينما وقف عناصر الهلال الأحمر الليبي يقلبون الرمال بحثاً عن ناجين أو متعلّقات تحدد هويات من رحلوا. بدا المشهد تكراراً مألوفاً في ليبيا، بلد تتداخل فيه المأساة الإنسانية مع سياقات سياسية معقدة، وتتشابك فيه ملفات الهجرة غير النظامية مع الانقسام الداخلي والمصالح الأوروبية، فكلما غرق قارب، انفتحت من جديد أسئلة قديمة: لماذا لا تتوقف تلك الرحلات؟ وكيف أصبحت ليبيا نقطة عبور شديدة الخطورة؟ وما الذي يدور داخل مراكز الاحتجاز التي أعادت المجتمع الدولي إلى المواجهة مع السلطات الليبية خلال الأسابيع الأخيرة؟
في هذا الموضوع الموسّع، ترصد «القدس العربي» تفاصيل الموجة الأخيرة من حوادث الغرق، والضغوط الدولية المتصاعدة، والواقع القاسي داخل مراكز الاحتجاز، إضافة إلى الدور الأوروبي الذي لا يمكن فصله عن بنية الأزمة ويستعرض شهادات دولية وبيانات أممية وتقارير منظمات حقوقية عاملة على الأرض.
غرق جديد
شهد الساحل الليبي في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر حادثتين أعادتا ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة بقوة، ففي مدينة الخمس، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الليبي انتشال أربع جثث بعد انقلاب قاربين يقلان ما يقرب من 95 مهاجراً. كان أحد القاربين يحمل مجموعة من البنغاليين، بينما كان الثاني ينقل مهاجرين من السودان ومصر ودول أفريقية أخرى، تحدث ناجون عن ارتباك كبير أثناء الغرق، وعن محاولات فردية للسباحة نحو الشاطئ، فيما ظلت فرق الإنقاذ لساعات تبحث وسط أمواج متقلبة عن أي أثر لمفقودين.
لم يكن الحادث منفصلاً عن نمط متكرر منذ مطلع العام فبعده بأيام، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فقدان 42 مهاجراً في غرق قارب مطاطي قرب حقل البوري النفطي، وتقول المنظمة إن هذه الحوادث أصبحت أكثر تكراراً خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن عدد الغارقين أو المفقودين في طريق وسط المتوسط تجاوز الألف منذ كانون الثاني/يناير 2025، معظمهم ينطلقون من السواحل الليبية التي تحولت إلى نقطة عبور مركزية بسبب هشاشة الوضع الأمني وسيطرة التشكيلات المسلحة على أجزاء واسعة من الساحل.
تقرير حديث لمنظمة الهجرة الدولية أشار إلى أن شبكات التهريب تغيّر طرقها باستمرار، مضيفاً أن طرقاً جديدة ظهرت خلال عام 2025 خصوصاً جنوب صبراتة وزوارة والماية، وأن هذه التحولات تعيق القدرة على الاستجابة السريعة، كما تفتح المجال لظهور نقاط انطلاق غير خاضعة لأي رقابة، ويؤكد التقرير أن كثيراً من القوارب تُترك لفترات طويلة في البحر قبل تدخل أي طرف، سواء الرسمي أو المدني، وهو ما يرفع احتمالات الغرق.
وتشير منظمات الإنقاذ في المتوسط إلى أن بعض عمليات الاعتراض التي ينفذها خفر السواحل الليبي تتم بطرق «غير آمنة»، تتضمن الاقتراب المفرط من القوارب وإجبار المهاجرين على التوقف بشكل مفاجئ، ما يؤدي في بعض الحالات إلى انقلاب القارب أو سقوط ركاب في المياه، وتروي شهادات ناجين أن بعض القوارب اصطدمت بقوارب دوريات، وأن محركاتها تعطلت في البحر قبل ساعات من وصول أي جهة للمساعدة، فيما تتحدث شهادات أخرى عن رحلات تمت في ظروف بحرية سيئة تحت ضغط المهربين الذين يخشون نقاط التفتيش.
ويبدو أن أسباب الغرق ليست تقنية فقط، بل تندرج ضمن سياق اقتصادي وإنساني متداخل. فالأزمة في بلدان المهاجرين، سواء في القرن الأفريقي أو غرب أفريقيا أو جنوب آسيا، إلى جانب التدهور الأمني داخل ليبيا، تدفع المهاجرين إلى «خيار البحر» حتى مع إدراكهم لمخاطره، يقول أحد الناجين الذين فروا من السودان إن «البديل هو الموت أيضاً»، مشيراً إلى أن الميليشيات التي تسيطر على طرق العبور تجبر البعض على ركوب البحر حتى لو لم يكونوا مستعدين.
ضغط دولي
في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، مثلت ليبيا أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، وهي جلسة شهدت أكبر موجة مطالبات دولية لإغلاق مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا منذ سنوات، فقد حثت عشرات الدول السلطات الليبية على إغلاق المراكز، والسماح لمنظمات الأمم المتحدة بالوصول إليها من دون قيود، والتحقيق في الانتهاكات التي تحدث داخلها.
استندت مداخلات الوفود إلى تقارير حديثة صدرت خلال عامي 2024 و2025 عن العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تتحدث عن تعذيب ممنهج، وعنف جنسي، وحرمان من الرعاية الصحية، ووفاة محتجزين في ظروف غامضة، وأشارت عدة وفود إلى تقارير أممية سابقة تحدثت عن وجود ما وصفته بـ«المقابر الجماعية» قرب بعض المراكز، وهو ملف لم يُسمح بإجراء تحقيق مستقل بشأنه حتى الآن. كما أثار ممثلو الأمم المتحدة قضية «الإعادة القسرية» للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر بواسطة خفر السواحل الليبي، ثم إعادتهم إلى مراكز احتجاز توصف بأنها خطيرة وغير إنسانية، وطالبت وفود عدة بوقف التعاون الدولي الذي يسهم في هذه الإعادة.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تعترف فيه السلطات الليبية نفسها بأن المراكز باتت عبئاً خارج السيطرة. فالوفد الليبي المشارك في جنيف اكتفى بالتأكيد أن ليبيا «تتحمل ما يفوق طاقتها»، وأنها ليست دولة منشأ للهجرة بل نقطة عبور، لكنه لم يعلن أي خطة لإغلاق المراكز أو إعادة تنظيمها، كما لم يقدم تعهدات واضحة بشأن تحسين أوضاع المحتجزين أو ضمان وصول المنظمات الدولية.
ويرى خبراء الهجرة أن الانقسام بين سلطتين في الشرق والغرب يعقّد الموقف الليبي. فمن جهة، يصعب على حكومة واحدة اتخاذ قرار موحد بشأن المراكز، ومن جهة أخرى، تتحكم مجموعات مسلحة في إدارة بعض المنشآت، وتقول مصادر حقوقية إن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لا تملك السيطرة الكاملة على عدد من المراكز الواقعة في مناطق نفوذ مجموعات مسلحة نافذة.
وتشير تقارير جنيف إلى أن المجتمع الدولي يعيد تقييم تعامله مع ليبيا، فبعض الدول الأوروبية اقترحت إنشاء آلية رقابية مشتركة تشرف عليها الأمم المتحدة، لكن غياب الإجماع الليبي الداخلي يجعل تنفيذ هذه الاقتراحات أمراً شبه مستحيل حالياً.
احتجاز قاس
إذا كان البحر يمثل خطراً ظاهراً ومباشراً على حياة المهاجرين، فإن مراكز الاحتجاز تمثل الخطر الأكثر صمتاً وصعوبة في التوثيق، فداخل هذه المراكز، التي تصفها الأمم المتحدة بأنها «غير مناسبة لإقامة البشر»، يشهد المحتجزون ظروفاً قاسية تتراوح بين التعذيب ونقص الغذاء والعلاج، وصولاً إلى العنف الجنسي والابتزاز المالي.
وتشير تقارير العفو الدولية إلى وجود اكتظاظ شديد في أغلب المراكز، حيث يتم وضع عشرات بل مئات الأشخاص في غرف صغيرة بلا تهوية كافية ويُحرم المحتجزون من الخروج إلى الهواء الطلق لفترات طويلة، فيما يشير عاملون في منظمات دولية إلى انتشار الجرب والالتهابات الجلدية بسبب نقص النظافة. وتقول شهادات إن المحتجزين لا يحصلون إلا على وجبة واحدة في اليوم، غالباً ما تكون مكونة من القليل من المعكرونة أو الخبز.
أما العنف، فهو بحسب منظمات حقوقية، «ممارسة ممنهجة» في مراكز عديدة فقد وثقت هيومن رايتس ووتش حالات ضرب بأسلاك معدنية، واعتداءات جماعية، وتعليق محتجزين من أيديهم في غرف ضيقة. وروى ناجون أن الحراس يجبرون بعضهم على الاتصال بذويهم لطلب الفدية، وأن من يعجز عن الدفع يتعرض لاعتداءات جسدية وحرمان من الماء والطعام.
العنف الجنسي أيضاً حاضر بقوة، فشهادات نساء احتُجزن في مراكز صبراتة والزاوية وغريان تشير إلى تعرضهن لاعتداءات جنسية متكررة. إحدى الناجيات قالت في شهادة وثقتها منظمة العفو الدولية إنها تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاثة حراس خلال ليلة واحدة، بينما روت أخرى أنها شاهدت فتيات قاصرات يتعرضن للابتزاز والتهديد.
وتشير تقارير أممية إلى أن بعض المراكز تُدار عملياً كـ«مشاريع خاصة» تحقق أرباحاً من خلال الابتزاز والاتجار بالبشر فهناك شبكات تنقل المحتجزين من مركز إلى آخر مقابل المال، أو تعيد بيعهم لشبكات تهريب في جنوب ليبيا لإجبارهم على الانضمام لرحلات جديدة.
ورغم أن السلطات الليبية أعلنت مراراً إغلاق مراكز سيئة السمعة، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن بعضها يُعاد فتحه تحت أسماء جديدة، أو يتم نقل المحتجزين منه إلى مواقع مجهولة. وتقول المنظمات الدولية إن الافتقار إلى الشفافية وغياب السجلات الرسمية للمحتجزين يجعل من الصعب تتبع أماكن وجودهم، الأمر الذي يضاعف مخاطر الإخفاء القسري.
دور أوروبي
لا يمكن فهم الأزمة الليبية بمعزل عن السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة، فالاتحاد الأوروبي يعتمد منذ سنوات سياسة تسمى «الإدارة الخارجية للهجرة»، تقوم على تمويل وتدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي بهدف اعتراض القوارب ومنع وصول المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية وقد خصصت بروكسل عبر برامج عدة عشرات الملايين من اليوروهات لهذا الغرض منذ عام 2017.
لكن هذه السياسة تواجه انتقادات واسعة من منظمات إنسانية أوروبية ودولية، التي تقول إن التعاون الأوروبي الليبي يؤدي عملياً إلى إعادة المهاجرين قسراً إلى مراكز احتجاز خطرة. فوفق القانون البحري الدولي، لا ينبغي إعادة أي شخص إلى مكان يوصف بأنه «غير آمن»، وهذا ما ينطبق على ليبيا بحسب الأمم المتحدة.
وتقول منظمات إنقاذ بحرية إن بعض عمليات الاعتراض التي ينفذها خفر السواحل تتم بعنف، بما في ذلك إطلاق النار في الهواء أو الاقتراب الخطير من القوارب وقد حدثت حوادث انقلاب خلال اعتراضات من هذا النوع وتتهم المنظمات أوروبا بأنها «تنقل مسؤولية الحدود جنوباً» من دون توفير ضمانات لسلامة المهاجرين.
في المقابل، تقول الحكومات الأوروبية إنها تموّل عمليات الاعتراض لإنقاذ الأرواح ولمنع شبكات التهريب من استغلال المهاجرين، لكن منتقدي هذه السياسة يؤكدون أن الهدف الأساسي هو تقليل أعداد الواصلين إلى أوروبا، بغضّ النظر عن مصائر الذين يُعادون إلى ليبيا.
وقد أعلنت أكثر من عشر منظمات إنسانية أوروبية خلال العام الجاري وقف تنسيقها مع خفر السواحل الليبي، وقالت تلك المنظمات إن التعاون يجعلها طرفاً في عملية الإعادة القسرية، ودعت الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة سياساته وإيجاد مسارات آمنة وقانونية للهجرة.
وتشير تقارير أوروبية مستقلة إلى أن غياب البدائل القانونية، مثل التأشيرات الإنسانية أو برامج إعادة التوطين، يدفع المهاجرين إلى ركوب البحر رغم خطورته، وأن سياسات المنع وحدها لا تؤدي إلى تراجع الرحلات، بل إلى جعلها أكثر خطراً وتعقيداً.
وتجمع التطورات الأخيرة على أن أزمة المهاجرين في ليبيا لن تجد طريقها إلى الحل قريباً، فحوادث الغرق المتكررة تؤكد أن البحر ما زال الطريق الوحيد أمام آلاف الفارين من الحروب والجوع، بينما تكشف التقارير الحقوقية أن مراكز الاحتجاز ما زالت بيئة خطيرة وغير خاضعة للرقابة، وفي الوقت ذاته، تزداد الضغوط الدولية على ليبيا من دون وجود سلطة موحدة قادرة على تنفيذ الإصلاحات، فيما يواصل الاتحاد الأوروبي سياسة الاحتواء البحري التي تحول ليبيا إلى «حاجز صد» للمهاجرين.
وبين كل هذه المعادلات، يبقى المهاجرون هم الطرف الأضعف، عالقون بين البحر والمراكز، بين شبكات التهريب والمصالح الدولية، وبين غياب الدولة وغياب الأمل. ومع غياب الحلول السياسية، لا يبدو أن المشهد سيتغير قريباً، ما لم يتفق المجتمع الدولي على وضع حدّ لهذا المسار الدامي، وإيجاد ممرات آمنة وخيارات إنسانية تليق بكرامة البشر.

