تأخذ المعارك المشتعلة في سهول ولايات كردفان غرب السودان، بين الجيش وقوات الدعم السريع، أشكالا وتكتيكات قتالية جديدة، ففي الوقت الذي يحاول فيه الطرف الأول شن هجمات مباغتة عبر قوات جوالة بغرض الاستنزاف وتدمير القوة الصلبة بدون الاكتراث لامتلاك الأرض، يسعى الطرف الثاني إلى تعزيز انتصاره في الفاشر بالتقدم برفقة آليات حربية حديثة نحو مدينة بابنوسة التي تضم أهم معاقل الجيش في غرب كردفان.
وتشير المتابعات إلى قيام فرق ميدانية متعددة من الجيش والكتائب المساندة له بمهاجمة مواقع الدعم السريع في مناطق أم سيالة وأبوسنون وبقية نقاط انتشارها في شمال كردفان ما أوقع خسائر فادحة في صفوفها، كما استهدف الطيران عبر غارات مفاجئة طرقاً للإمداد والتي بدورها تسبب في ظهور أزمة في الوقود.
وقال ضابط رفيع في الجيش السوداني لـ«القدس العربي»، إن قيادة سيطرة القوات الجوالة برئاسة مساعد قائد الجيش الفريق أول ياسر العطا، أوكلت لها مهام تنفيذ عمليات عسكرية مباغتة على مواقع الدعم السريع في كردفان ودارفور، وهو تكتيك قتالي عرف به العطا أبان توليه قيادة الفرقة م14 مشاة في كادوقلي، واستطاع عبره تحقيق انتصارات مهمة على الحركة الشعبية برئاسة عبدالعزيز الحلو.
وأوضح الضابط، إن استراتيجية الجيش الجديدة القاضية بمهاجمة نقاط تمركز حاكمة وممتدة بين ولايتي شمال وغرب كردفان بدون السيطرة عليها تهدف إلى ما يعرف بالإشغال القتالي الرامي إلى تشتيت قوات الدعم السريع وجرها على الدوام إلى أرض قتال جديدة ومحددة سلفاً ما يؤدي إلى إنهاكها وتخفيف الضغط على قوات الجيش المحاصرة في بابنوسة وتحجيم قدراتها على المبادرة.
وبين أن الجيش عبر خطته ونسقه العملياتي الجديد يتجاوز المدن ويقوم بضرب الدعم السريع في خطوطه الخلفية بهدف قطع خطوط إمداده ووضع قواته في جزر معزولة وحالة استعداد مستمر ومرهقة.
وتكشف خريطة الصراع في شمال كردفان، عن شن الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة يوم الثلاثاء، هجوماً مفاجئا على تجمعات الدعم السريع في منطقة جبل أبوسنون شمال غرب مدينة الأبيض ما أدى إلى تشتيتها وخسارتها عدد من العربات القتالية.
وقال مصدر ميداني لـ«القدس العربي» إن الدعم السريع كانت تتخذ من تمركزها في منطقة جبل أبوسنون نقطة محورية لقطع تحركات الجيش نحو غرب الأبيض ومدينة بارا، مشيراً إلى أن هجوم الجيش أربك حسابات الدعم السريع وشتتها لتستمر معارك المطاردة ليومين آخرين.
ويشار أن جبل أبوسنون يقع في منطقة استراتيجية تعتبر مفتاحاً للسيطرة على مناطق أبوقعود وأم صميمة ونقطة تأمين متقدمة لمدينة الأبيض، كما أن السيطرة عليها تسهل عملية استعادة مدينة بارا.
وفي السياق، قال حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان التي تقاتل مع الجيش، إن القوات حققت انتصارًا كبيراً في جبل أبوسنون ومناطق أخرى بشمال كردفان وقامت بالثأر لضحايا الفاشر.
وضمن العمليات العسكرية في شمال كردفان أيضا، أعلنت قوات درع السودان يوم الإثنين شن هجوم وصفته بالناجح على قوات الدعم السريع في منطقة أم سيالة مشيرة لإصابة قائدها أبوعاقلة كيكل الذي تولى قيادة المعركة بنفسه.
وقالت درع السودان في بيان لها، إن المعركة انجلت بدحر العدو ومنعه من تحقيق هدفه وذلك في إطار خطة عسكرية وضعها الجيش لاستئصال التمرد وتدمير قواته بصورة كاملة في محور شمال كردفان.
وفقاً لمصادر عسكرية، قامت قوات درع السودان وقوات العمل الخاص التابعة للجيش بالدخول في معركة عنيفة مع الدعم السريع في أم سيالة وتمكنت من دحرها والسيطرة على المنطقة قبل أن تقوم الأخيرة لاحقاً بإخلاء قواتها في مدينتي بارا وجبرة الشيخ وتشن عدة هجمات مضادة على أم سيالة انتهت بتراجع قوات الدرع إلى دفاعاتها القديمة شرق المنطقة.
وأكدت المصادر أن الهجوم المضاد كان بأكثر من 250 سيارة مقاتلة وعددا من المدرعات ـ كندية الصنع ـ بالإضافة إلى سيارات قتالية تحمل مدافعة ثنائية بإسناد بالمسيرات والمدفعية، مشيرة إلى أن المعركة استمرت لمدة ساعتين وأدت إلى إصابات كثيرة وسط قوات الدرع كان من بينها إصابة طفيفة للقائد أبوعاقلة كيكل.
بالمقابل، وبعد سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، حاولت الدعم السريع تعزيز انتصاراتها وتوسيع عملياتها العسكرية، حيث شنت سلسلة من الهجمات القوية على مدينة بابنوسة التي تضم قيادة الفرقة 22 مشاة في ولاية غرب كردفان.
وقال مصدر محلي لـ«القدس العربي» إن الدعم السريع حشدت عشرات الآلاف من المقاتلين الذين قامت بتحفيزهم عبر صرف مرتبات بالدولار، كما وفرت مصفحات ومسيرات وآليات حربية حديثة لإنجاز هذه المهمة بأقل الخسائر.
وأضاف المصدر أن قوات حميدتي ترغب في حسم معركة بابنوسة بصورة عاجلة وبالتالي بسط سيطرتها الكاملة على ولاية غرب كردفان وفرض واقع جديد يعزز موقفها في أي تفاوض مرتقب، إلى جانب تأمين ظهرها حال سعت إلى التقدم نحو مناطق جديدة في وسط أو شمال البلاد.
وطوال الأسبوع الماضي، شهدت مدينة بابنوسة عدة هجمات عنيفة قادتها الدعم السريع لكن استطاعت قوات الفرقة 22 مشاة التصدي لها وتكبيد القوة المهاجمة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
وكانت أشرس المواجهات يوم الأحد الماضي حيث هاجمت قوات حميدتي المنطقة منذ ساعات الصباح الأولى وعبر ثلاثة محاور لتستمر المعركة لأكثر من أربع ساعات وتنتهي بتراجع الدعم السريع ووقوع خسائر وسط الطرفين وذلك حسبما أفاد المصدر المحلي.
وبث جنود يتبعون للجيش مقاطع مصورة من داخل المدينة في مواقع التواصل الاجتماعي توثق استيلائهم على عتاد عسكري للدعم السريع يشمل مصفحات حديثة وعدد آخر من العربات القتالية وكميات من الأسلحة والذخائر، وأظهر بعض هذه المقاطع عملية حرق لتلك المصفحات على أيدي جنود الجيش.
لكن ومن جهتها، قالت الدعم السريع إن قواتها تحكم الحصار على بابنوسة ومقر الفرقة الـ22 مشاة وستسمر في الهجوم عليها حتى إسقاطها.
ومنذ أكثر من عام تحاصر قوات حميدتي بابنوسة وشنت عشرات الهجمات لكن قوات الفرقة 22 مشاة تمكنت مرارًا من التصدي لها بدعم متواصل من الطيران المسير والحربي الذي تعتمد عليه كذلك في إمدادها عبر الإسقاط الجوي.
في جنوب كردفان أيضا، اندلعت المعارك بين الجيش من ناحية والدعم السريع وقوات الحلو المتحالفة معها من الناحية الأخرى وذلك في مناطق هبيلا شرق مدينة الدلنج وبرنو الواقع من الناحية الغربية لمدينة كادوقلي.
وحسب مصدر ميداني تحدث للصحيفة، تقدم الجيش تجاه منطقة هبيلا ضمن تحركات جديدة للقوات واستطلاع بسط سيطرته على أجزاء واسعة منها والاستيلاء على عتاد حربي.
وفي سياق متصل، نشرت صفحات موالية للجيش في مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات توثق دخول القوات إلى المنطقة وسط احتفالات المواطنين.
وكانت الدعم السريع قد بسطت سيطرتها على هبيلا في شباط/فبراير الماضي بعد معارك قوية شاركت فيها قوات الحلو. وتعد هبيلا من أكبر المناطق الزراعية في جنوب كردفان حيث توفر الغذاء للولايات المجاورة وبقية أجزاء السودان.
تقدم الجيش نحو هبيلا جاء بعد ساعات من تقدم آخر أحرزته قوات الفرقة 14 مشاة في كادوقلي بالسيطرة على منطقة برنو عقب شن عملية برية واسعة سبقها قصف مدفعي مكثفة ما أسفر عن خسائر بليغة في صفوف الدعم السريع ودفعها للانسحاب من المنطقة.
تكتيكات حرب العصابات
الخبير العسكري المتخصص في التحليل الميداني لمجريات الحرب في السودان، جمال الشهيد، قال إن جبهات القتال بإقليم كردفان شهدت في الأيام القليلة السابقة تحوّلاً واضحًا في النسق العملياتي، وذلك يتمثل في الانتقال من نمط المواجهات الخطّية التقليدية إلى عمليات غير متماثلة تعتمد على تكتيكات حرب العصابات وعمليات الاستنزاف العميق، ويتركز الهدف الأساسي لهذا النسق على تعطيل القدرة القتالية للخصم عبر استهداف مراكزه الحيوية، وآلياته المدرعة، وعناصر القيادة والسيطرة الميدانية، بدلاً من الانخراط في معارك السيطرة على الأرض التي تُعد عالية الكلفة ومحدودة الفاعلية في بيئة الجغرافيا المكشوفة.
وأشار إلى أنه في هذه المرحلة يركز الجيش على شن هجمات خاطفة عالية الدقة تبنى على أرضية استخباراتية فعّالة، تشمل الاستطلاع الميداني والمراقبة الجوية ومصادر الارتكاز المحلية، مبيناً أنه عادة ما يتم تنفيذ هذه الضربات بواسطة وحدات مشاة خفيفة الحركة ذات قدرة عالية على المناورة، مدعومة بعناصر ذات خبرة في العمليات السريعة والحرب القريبة، مثل قوات العمل الخاص والقوات ذات الحركة الخفيفة والتي تعرف بقوات الإسناد المقاتلة بجانب الجيش السوداني.
ولفت إلى أن هذه الوحدات تعمل وفق مبدأ (الضرب ـ الانسحاب ـ إعادة التمركز) مع الحفاظ على أعلى مستويات السيولة الحركية وتجنب الاحتكاك الطويل مما يتوقع أن ينعكس بصورة ملموسة في المدى القريب من خلال رفع مستوى الضغط الاستنزافي على الدعم السريع وتقليص قدرته على الاحتفاظ بخطوط إمداد مستقرة.
إلى جانب إرباك منظومة القيادة والسيطرة عبر ضربات موجهة وعميقة وزيادة الكلفة العملياتية لأي محاولة تقدم أو تمركز ثابت. وأكد الشهيد، على أن جبهات كردفان تدخل مرحلة حرب مناورة غير خطيّة تُدار بأدوات تكتيكية مرنة، تعتمد على المبادرة الميدانية، وتستثمر الجغرافيا لصالح الحركة لا لصالح الدفاع السلبي.
وفي ذات المنحى قال ضابط سابق في الجيش لـ«القدس العربي»، إن تصعيد العمليات على امتداد ولايات كردفان من ناحية الجيش يهدف إلى إنهاك الدعم السريع وشد أطرافها وتبديد قدرتها على الحشد ومهاجمة هدف واحد في بابنوسة، فيما تسعى الدعم السريع لتحقيق مزيد من الانتصارات خاصة في ظل امتلاكها معدات حديثة تشمل المسيرات والمدرعات وأنظمة التشويش والدفاع الجوي.
ولفت إلى أن الدعم السريع ما زالت تمتلك قدرة على الحشد وتجميع القوات لكن في حال إطالة أمد الحرب ستقل هذه الميزة لاعتبارات مرتبطة بطبيعة المستنفرين غير الاحترافية بالتالي هي تسعى حسم معاركها في مناطق نفوذها الاجتماعي.
وتوقع أن تتصاعد المعارك أكثر في كردفان مع إرهاصات عن بداية ضغوط دولية لإنهاء الصراع بالتفاوض باعتبار أن كل طرف سيسعى لتحسين موقفه، كما رجح الضابط السابق، أن يستمر الجيش عبر تكتيك القوات الجوالة حال قرر مواصلة الحسم العسكري، مبيناً أن تلك القوة المشتركة للحركات المسلحة قد تظهر مجدداً وتهاجم نقاط الدعم السريع في دارفور عبر محاور الصحراء وتمركزها في كرنوي والطينة مع الحدود التشادية.
وأشار إلى أن ظهور القوات الجوالة في دارفور قد تدفع الدعم السريع إلى التراجع من كردفان وفي أقل الاحتمالات تحجيم قدرتها على التحرك والاستيلاء على مواقع جديدة.
وفي دارفور تسيطر الدعم السريع على جميع المدن الرئيسية بينما هناك تواجد ضئيل للجيش والقوة المشتركة في كرنوي والطينة وأبوقمره، وحاول الجيش تعويض خسارته في غالبية مدن ومناطق الإقليم بعد سقوط مدينة الفاشر باستهداف ناقلات الوقود وقوافل الإمداد التابعة للدعم السريع، بالإضافة إلى مهاجمة بعض مواقع أبرزها مطار نيالا الذي تستقبل فيه طائرات الإمداد العابرة للحدود.
وإلى ذلك، أكد مصدر عسكري لـ«القدس العربي» أن سلاح الجو دمر يوم الجمعة عربات قتالية للدعم السريع في منطقة المثلث الحدودية مع مصر وليبيا لافتاً دخول مقاتلات جوية وأنظمة دفاع جوي حديثة لصالح الجيش.
تورّط بعض دول الجوار
في سياق التطورات العسكرية، أعلنت قوات الجيش تمكنها من إلقاء القبض على مجموعة من مقاتلي الدعم السريع الذين اعترفوا بأنه تم نقلهم من مدينة نيالا إلى منطقة الكفرة في ليبيا، حيث خضعوا لبرامج تدريب عسكري مكثّف أشرف عليها عناصر مرتزقة قبل إعادتهم للقتال داخل السودان.
وقالت في بيان لها الجمعة، أنه حسب المعلومات والاعترافات التي تم جمعها، فقد جرى تجهيز هذه المجموعات بسيارات قتالية وأسلحة ومعدات ميدانية حديثة ومتطورة داخل الأراضي الليبية قبل دفعهم إلى المحاور المختلفة، الأمر الذي يؤكد تورّط بعض دول الجوار في تقديم دعم مباشر «للميليشيا المتمردة».
وأكد البيان على أن نقل المقاتلين عبر الحدود، وتدريبهم وتسليحهم داخل الأراضي الليبية، يمثل انتهاكاً مباشراً لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن دارفور، خاصة القرارين رقم 1556 (2004) و1591 (2005)، إضافة إلى التمديد الأخير الوارد في القرار 2750 (2024)، والتي تُحظر بموجبها أي عمليات نقل أو توريد السلاح أو تقديم الدعم العسكري إلى الجماعات المسلحة في الإقليم.
ودعا مجلس الأمن والأجهزة المختصة إلى القيام بمسؤولياتها والتحقيق في هذا الدعم الخارجي غير المشروع، واتخاذ التدابير اللازمة تجاه الجهات التي تواصل خرق قرارات الأمم المتحدة وتقويض الأمن والاستقرار في السودان.
المصدر:( القدس العربي)
