28.6 C
Khartoum

اليراع : انفضاح أسرار نهب معادن السودان وأبعاد الحرب الدولية الراهنة

Published:

لم يعد الذهب مجرد معدن رمزي للقيمة والرفاه، بل تحول في السودان إلى وقود صراعات ضارية وأداة للنهب المنظم، تثور حوله أطماع دول وجماعات إقليمية ودولية، وسط غياب شبه تام للشفافية والمحاسبة. يضم السودان أكثر من أربعين ألف موقع لتعدين الذهب، موزعة على ثلاثة عشر ولاية، تمتد من أقصى الشمال الصحراوي حتى جبال البحر الأحمر وغربي دارفور، ما يجعله أحد أغنى بلدان أفريقيا بهذا المعدن النفيس.

تاريخ طويل من النهب السري والعلني

منذ عهود ما قبل الاستعمار، ظل الذهب السوداني يُنهب سراً وعلناً في دورة متواصلة لم تنقطع. خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، اتخذ النهب طابعاً مؤسسياً عبر شبكات رغم تنظيم قوات خاصة لحماية حدود قوات خاصة كـ”الهجانة”، لكن سرعان ما تلاشى هذا الدور إثر الاستقلال عبر حكومات وطنية لم تفلح في حماية هذه الثروة. وبقي المواطن السوداني غائباً عن الصورة الحقيقية لإنتاج الذهب أو عوائده، رغم دخول شركات دولية في المجال منذ السبعينيات. التعتيم استمر حتى تسعينيات القرن الماضي مع لجوء نظام البشير إلى تعظيم مداخيل الذهب عقب فقدان عوائد النفط بانفصال جنوب السودان سنة 2011.

مع هذه التحولات، بدأت أسرار تجارة الذهب تنكشف تدريجياً إثر ضغوط العقوبات الاقتصادية الدولية، وازدياد أهمية الذهب في ميزانية الدولة التي فقدت أكثر من ثلاثة أرباع عائداتها النفطية وأكثر من 80% من مصادر النقد الأجنبي.

طرق التهريب العابرة للحدود وشبكات الجريمة المنظمة

سوق للذهب على الحدود بين السودان ومصر

يرتبط تهريب الذهب السوداني تاريخياً بمصر وليبيا، عبر طرق القوافل الصحراوية منذ العهود الفرعونية، متوغلة في إقليم كردفان ودارفور وشرق السودان. لم تشهد الحكومات السودانية المتعاقبة أي نجاحات في وقف النزيف، باستثناء محاولات بريطانية قصيرة الأجل. وظل عشرات الآلاف يشاركون في هذه التجارة، لتتحول إلى شبكة إجرامية عابرة للدول، تشمل قبائل مؤثرة وشركات تعدين عابرة للحدود.

في مصر، تحتضن مناطق النوبة والصحراء الشرقية وشركات دولية مثل “سنتمينت” و”شلاتين” عمليات تعدين الذهب وصناعته. هذه الشركات، وبعضها يرتبط بملاذات ضريبية، تواصل نشاطها في مناطق متاخمة للحدود. وتوسع مناطق التعدين السوداني منذ اندلاع الحرب الأخيرة في 2023 قرب الحدود المصرية، مستفيداً من الإمدادات اللوجستية، في ظل تسهيلات تُتهم السلطات المصرية بالتغاضي عنها بحكم حاجة الدولة لدعم احتياطي الجنيه المتراجع.

الإمارات: مركز عالمي لغسل الذهب السوداني

منذ سبعينيات القرن الماضي، برزت الإمارات وجهة رئيسة للذهب السوداني المهرب، متلقية كميات من المعدن عبر الموانئ البحرية والجوية، وتعيد تصديره إلى مصافي سويسرا وأوروبا. سُمي هذا النهب التجاري “التجارة الخفية”، وتم اكتشاف حجمه الحقيقي فقط مؤخراً بعد انكشاف العلاقة بين الإمارات وأعيان القبائل الصحراوية المسيطرة على مواقع التعدين.

مع انهيار الاقتصاد السوداني عقب فقدان النفط، تزايدت أهمية مواقع جديدة مثل جبل عامر، التي تحولت إلى مسرح صراع مسلح بين الدولة والمليشيات القبيلة، وتمكنت قوات “الجنجويد” بقيادة موسى هلال، ثم “الدعم السريع” بقيادة حميدتي، من السيطرة على المنطقة عبر اتفاقات مشبوهة مع شركات مثل “الجنيد” وارتباطات سرية مع الإمارات.

تبيع هذه الشركات الذهب خارج القنوات الرسمية، أحيانًا للبنك المركزي وأحيانًا لشبكات غير قانونية، مما مكّن الدعم السريع من بناء قوتها السياسية والعسكرية بعيداً عن رقابة السلطة المركزية، خاصةً بعد تعاون الدعم السريع مع شركات روسية مثل “مروي غولد” ومجموعة “فاغنر” لتوسيع نفوذها في دارفور.

الذهب: وقود النزاعات والتمويل الخارجي

انفوغراف الاناضول

سلطت تقارير الأمم المتحدة الضوء على تمويل الدعم السريع من تجارة الذهب المهرب عبر الإمارات، واستخدام جزء من هذا التمويل في الحرب الأهلية والمواجهات المسلحة ضد الجيش السوداني. أرسى الذهب أساس العلاقة المالية والاستراتيجية بين الدعم السريع وفاغنر الروسية، ما جعل الذهب السوداني مورداً لتمويل حرب روسيا في أوكرانيا، وسبيلًا لتحقيق استقلال مالي وسياسي حميدتي عبر شركات مسجلة في الإمارات.

ارتبطت تدفقات الذهب أيضاً بتجهيز الدعم السريع بالأسلحة عبر ليبيا وخليفة حفتر، ضمن شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية تساهم في تمديد أمد الصراع المحلي، ودفع فاتورة الدم المدني، إذ تشير الأمم المتحدة إلى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين في العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور في ظل عمليات دعم وتسليح كثيفة.

الإمارات: مركز لغسيل ذهب أفريقيا

بحسب منظمة “سويس إيد”، استوردت الإمارات في عام 2022 حوالي 39 طناً من الذهب السوداني بقيمة تفوق ملياري دولار، واستمرت الضغوط الدولية للحد من غسيل الذهب غير المشروع. إلا أن ثغرات النظام المالي في الإمارات تسمح بتحويل الذهب المهرب إلى شرعي، مما يعزز موقع الدولة كأكبر مركز عالمي لغسيل ذهب أفريقيا سنويًا.

الواقع الراهن: الاحتياطي والإنتاج والاستثمارات الأجنبية

يحتل السودان اليوم المرتبة الثالثة أفريقياً في إنتاج الذهب، بإنتاج سنوي يناهز 93 طنا حسب بيانات رسمية لعام 2018، واحتياطي يصل إلى نحو 1550 طنا. منحت الحكومة السودانية أكثر من 85 رخصة لشركات محلية ودولية للتنقيب والإنتاج، في مسعى لتعزيز موارد النقد الأجنبي، ورغم ذلك بقي الرقم الحقيقي للإنتاج محفوفاً بالغموض، مع استمرار جزء كبير منه في التسرب عبر قنوات التهريب.

تتفاوت التقديرات حول الكميات المؤكدة والمحتملة، إذ تشير مصادر رسمية إلى نحو 14 مليون طن بمعدل تركيز يبلغ 2.4 غرام ذهب لكل طن، لكن غموض الرقابة وضعف الدولة يستمر في تغذية دورة النهب السري والعلني، ما يجعل من معادن السودان وقوداً لصراعات إقليمية ودولية تفوق طاقته على الاحتمال والاستمرار.

تكشف خريطة نهب الذهب والمعادن في السودان عن مأساة مركبة تتجاوز فقدان الثروات إلى انهيار القيم الوطنية وتفكك البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. إن الحرب التي اندلعت عام 2023 لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تجسيد لتراكمات طويلة من سوء الإدارة واستغلال الموارد لصالح قلةٍ على حساب الملايين. فالمناجم التي تدر الذهب تحولت إلى مقابر للفقراء، والمناطق الغنية التي يفترض أن تكون مصدراً للتنمية أصبحت ساحة جوع ودمار وتهجير.

على الصعيد الإنساني، أدى استغلال الذهب وتمويل الحرب به إلى تفاقم واحدة من أسوأ الكوارث في أفريقيا المعاصرة. ملايين السودانيين نزحوا من مناطق التعدين ومن المدن التي مزقتها المعارك، وانعدمت الخدمات في الأقاليم الطرفية التي ترقد فوق الثروات. تدهورت أوضاع التعليم والصحة والتغذية، وتحوّل الأطفال والنساء إلى أكثر الفئات تضرراً. أما في دارفور والخرطوم، فالمجازر التي ارتكبت بدافع السيطرة على الموارد تركت جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي يصعب التئامها دون عدالة حقيقية ومحاسبة للمسؤولين عنها.

سياسياً واقتصادياً، يحتاج السودان إلى إعادة صياغة رؤية شاملة لإدارة موارده على أسس الشفافية والمساءلة. تبدأ هذه الرؤية بتفكيك شبكات التهريب والاحتكار المسلح، وإعادة الرقابة على قطاع المعادن للدولة تحت إشراف مؤسسات منتخبة ومستقلة. كما يتعين على الحكومة الانتقالية المقبلة، بدعم من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، تبني نظام صارم لتتبع الإنتاج عبر التكنولوجيا الحديثة، وإلزام الشركات المحلية والأجنبية بكشف بياناتها المالية والإنتاجية علناً.

ومن الإصلاحات الضرورية تشجيع التعدين المنظم ضمن سياسات بيئية واجتماعية تحمي المجتمعات المحلية وتعوضها عن الأضرار، وتخصيص نسبة واضحة من عائدات المعادن للتنمية الريفية والخدمات العامة. كما يجب إصدار قانون جديد للثروات الطبيعية يمنع أي طرف عسكري أو أمني من امتلاك أو إدارة مناجم.

إن إصلاح قطاع المعادن هو شرط لاستقرار السودان السياسي ورخائه الاقتصادي. فلا سلام دائم دون عدالة في توزيع الثروة، ولا سيادة حقيقية ما دام الذهب يهرب عبر الحدود ويغذي حروباً بالوكالة. إن إعادة الثروات إلى أهلها هي المدخل الوحيد لإنقاذ السودانيين من دوامة الحرب والفقر، وبناء دولة قادرة على تحويل كنوزها من لعنة إلى نعمة
في خضم هذه الفوضى، يبقى الأمل قائماً في أن تُبعث من بين ركام الحرب دولة جديدة تعي قيمة ترابها وثرواتها. فالسودان الذي أنهكته الأطماع يمكن أن يسترد عافيته إذا اختار طريق الإصلاح والشفافية. حين تتحول مناجم الذهب من أدوات تمويل للصراع إلى ركيزة للتنمية، وحين تُستبدل أسواق التهريب بمراكز إنتاج وطنية مراقبة، سيتغير وجه البلاد. إن العدالة في توزيع الموارد وسيادة القانون هما المفتاح الحقيقي للخلاص، ليصبح السودان نموذجاً لأفريقيا في تحويل الكنوز الطبيعية إلى طاقة بناء وسلام، لا إلى وقود للحروب والانقسام.

مواضيع مرتبطة

مواضيع حديثة