كشف تحقيق أجرته منظمة ذا سنتري (The Sentry) النقاب عن شبكة دولية غامضة وواسعة النطاق تربط مسؤولاً حكومياً إماراتياً رفيع المستوى بعملية استقدام المرتزقة إلى السودان لصالح قوات الدعم السريع. يتصدر هذه الشبكة رجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان الزعابي، صاحب شركة “جلوبال سيكيوريتي سيرفيسز جروب” (GSSG)، التي وُجهت إليها اتهامات بتجنيد وتوريد مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في مناطق عدة من السودان.
وبحسب الوثائق التجارية التي حصلت عليها ذا سنتري، فإن الزعابي لا يعمل بمفرده، بل يرتبط بشراكة تجارية وثيقة مع أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة في دولة الإمارات العربية المتحدة وهو منصب . ويُعد ديوان الرئاسة أحد أهم مفاصل السلطة في الإمارات، إذ يقدم الدعم المباشر لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد (محمد بن زايد آل نهيان)، ويرأسه نائب الرئيس الشيخ منصور بن زايد. وتؤكد هذه الصلة أن العلاقة بين الحميري والزعابي قد تمتد إلى مستويات عليا من صنع القرار داخل الحكومة الإماراتية.

مرتزقة على أرض السودان
مع استمرار الحرب في السودان ودخولها عامها الثاني، باتت مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور مسرحاً لمشاهد مأساوية من القتل الجماعي والنزوح والتجنيد القسري للأطفال. إلا أن التقارير الأخيرة تضيف بُعداً جديداً أكثر خطورة، إذ تشير إلى انتشار مقاتلين أجانب من كولومبيا تحديداً يطلقون على أنفسهم اسم “ذئاب الصحراء”، يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع ويشرفون على تدريب مقاتلين صغار السن.
وتُرجع ذا سنتري مصدر هؤلاء المقاتلين إلى عقود موقعة مع شركة الزعابي “جلوبال سيكيوريتي سيرفيسز جروب” (GSSG) المسجلة في الإمارات. وتُظهر الوثائق أن المجندين الكولومبيين وقّعوا اتفاقيات سرية تمنعهم من الإفصاح عن طبيعة مهامهم، فيما تُحوّل رواتبهم عبر شركة خارجية في بنما تُدعى “جلوبال ستافينغ” (Global Staffing) التي تديرها كلوديا أوليفيروس، زوجة العقيد الكولومبي السابق ألفارو كويخانو. وكان كويخانو قد خدم سابقاً ضمن قوات أجنبية عملت في صفوف الجيش الإماراتي، ويملك حالياً شركة أمن كولومبية تُدعى “A4SI” تعاقدت مع شركة الزعابي لتجنيد المرتزقة.

شبكة المصالح بين الزعابي والحميري
تكشف السجلات التجارية عن علاقات وثيقة بين الزعابي والحميري تمتد لسنوات. إذ يمتلك الحميري 75% من شركة إماراتية لتقنية المعلومات تُدعى “سيكيورتك” (Securetech)، بينما يمتلك الزعابي 12.5%. وحتى عام 2023، كان الاثنان شريكين أيضاً في شركة “سيكيورجارد ميدل إيست” (Securiguard Middle East)، إحدى أكبر شركات الحراسة والأمن في المنطقة.
هذه الشراكة المهنية الطويلة بين رجل الأعمال الذي يجنّد المرتزقة والمسؤول الحكومي الذي يشغل منصباً مركزياً في ديوان الرئاسة تطرح أسئلة خطيرة حول مدى تورط مؤسسات رسمية في دعم قوات الدعم السريع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويشير تقرير ذا سنتري إلى أن ديوان الرئاسة الإماراتي، الذي يعمل فيه الحميري، لعب أدواراً محورية في تنفيذ سياسات خارجية يقودها الشيخ منصور بن زايد. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد ذكرت سابقاً أن الشيخ منصور يؤدي “دوراً محورياً” في تسليح قوات الدعم السريع، ما يجعل العلاقة بين الحميري والزعابي أكثر إثارة للريبة.
دعوات للتحقيق والمساءلة
دعت ذا سنتري المجتمع الدولي إلى فتح تحقيق شامل في هذه الشبكة المعقدة وفرض عقوبات على جميع الأطراف المتورطة في تجنيد المرتزقة ونقلهم إلى السودان، بما في ذلك الشركات المسجلة في الإمارات وبنما وكولومبيا. وحذرت المنظمة من أن التغاضي عن هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان ويُكرّس تدخلاً خارجياً يعمّق أمد الحرب.
ويرى محللون أن هذه المعطيات تمثل مؤشراً خطيراً على احتمالية تورط جهات حكومية إماراتية في دعم طرف من أكثر الأطراف دموية في الصراع السوداني، مما يتطلب تحركاً عاجلاً لكشف الحقائق وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.
في الوقت الذي يستمر فيه نزيف الدم في دارفور وتتصاعد الاتهامات بحق قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تقدم هذه الوثائق صورة قاتمة عن البنية المالية والسياسية التي تغذي الحرب، وعن الدور الذي تلعبه شركات أمنية خاصة وأوساط متنفذة في صنع المأساة السودانية.
وحتى تتخذ الجهات الدولية إجراءات جادة، فإن تدفق المرتزقة والأموال والأسلحة سيبقى يطيل أمد الحرب ويهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
نيك دونوفان الفائز بجائزة Fetisov Journalism Award

