جنوب السودان يطلق أوسع حملة مشاورات عامة تمهيدًا لصياغة الدستور الدائم

باشرت اللجنة الوطنية لمراجعة الدستور في جنوب السودان تنفيذ حملة مشاورات عامة شاملة، تعدّ إحدى أبرز مراحل التحول الدستوري المنتظر منذ سنوات، تمهيدًا لصياغة الدستور الدائم الذي سيحل محل الوثيقة الانتقالية المعمول بها منذ استقلال البلاد في عام 2011.

وتهدف الحملة، التي تأتي عقب إعادة تشكيل اللجنة في نوفمبر 2023، إلى جمع آراء ومقترحات المواطنين من الولايات العشر والمناطق الإدارية الثلاث خلال الشهر المقبل، في إطار سعي الدولة لترسيخ نظام حكم يعكس تطلعات شعبها ووحدته الوطنية.

وأكد أويت باتريك شارليس، رئيس لجنة التثقيف المدني والمشاورات العامة، أن العملية الدستورية الجارية تسعى إلى إشراك المواطنين بشكل مباشر في تحديد ملامح نظام الحكم المستقبلي، قائلًا إن اللجنة لا تكتفي بتثقيف المواطنين حول حقوقهم، بل تعمل على ضمان أن تكون أصواتهم هي الأساس الذي يُبنى عليه الدستور الجديد. وأضاف: “هذا هو دستور الشعب”، مشددًا على أن المشاركة الشعبية تمثل جوهر العملية الديمقراطية التي تسعى البلاد لترسيخها.

وفي مؤتمر صحفي بجوبا، وصف الأمين العام للجنة، جون ناثانا أبراهام، عملية صياغة الدستور بأنها “تجسيد حي لتضحيات ونضالات شعب جنوب السودان”، مؤكدًا أن الدستور المقبل يجب أن يعكس إرادة المواطنين ورؤيتهم لمستقبل أفضل. وأعلن عن بدء عمل أربع فرق ميدانية في ولايات شرق الاستوائية وشمال بحر الغزال وغرب بحر الغزال والبحيرات، حيث شرعت في لقاءاتها مع السلطات المحلية وممثلي المجتمع المدني لجمع المدخلات الشعبية.

وشملت اللقاءات المجالس التشريعية الولائية، والجهاز القضائي، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب ممثلي المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة. وتتناول المشاورات قضايا محورية مثل الفدرالية، وتقاسم الموارد، والمواطنة، والفصل بين السلطات، وهي ملفات تمثل أساس بناء نظام سياسي يعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي للبلاد.

وأعرب أبراهام عن شكره للشركاء الدوليين الداعمين للعملية الدستورية، وفي مقدمتهم بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، مؤكدًا أن هذا الدعم يعكس التزام المجتمع الدولي باستقرار البلاد وتعزيز مؤسساتها الديمقراطية.

ويعود تأسيس اللجنة الوطنية لمراجعة الدستور إلى يناير 2012، لكن أعمالها توقفت بسبب سنوات من عدم الاستقرار، قبل أن يُعيد الرئيس سلفا كير ميارديت تشكيلها في نوفمبر 2023، في خطوة وُصفت بأنها إعادة إحياء لمسار دستوري طال انتظاره. ودعا أبراهام جميع الأطراف إلى العمل المشترك لإنجاح هذه المرحلة التاريخية، مؤكدًا أن نجاح العملية يتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية.

ومن المقرر أن تستمر المشاورات العامة لمدة شهر، تُجمع خلاله البيانات والمقترحات من مختلف أنحاء البلاد، لتُعاد لاحقًا إلى العاصمة جوبا حيث ستُستخدم لصياغة مسودة الدستور الجديد، الذي يُنتظر أن يشكل نقطة تحول في تاريخ جنوب السودان نحو نظام حكم دائم ومستقر يعبر عن تطلعات شعبه في السلام والتنمية.