وتبرز رواندا كإحدى أبرز هذه الدول، حيث أعلنت في 28 أغسطس 2025 عن استقبالها سبعة مهاجرين رُحّلوا من الولايات المتحدة، لتصبح بذلك ثالث دولة أفريقية تشارك في مثل هذه الترتيبات بعد جنوب السودان ومملكة إسواتيني.
وكان جنوب السودان قد استقبل ثمانية رجال مهاجرين من الولايات المتحدة في يوليو الماضي، فيما أرسلت واشنطن بعد أسبوعين خمسة رجال آخرين إلى مملكة إسواتيني، كما أعلنت أوغندا عن اتفاق مماثل لاستقبال أفراد غير مؤهلين للجوء في الولايات المتحدة ولا يرغبون في العودة إلى أوطانهم.
ويطرح هذا الواقع أسئلة حول دوافع بعض الدول الأفريقية للانخراط في هذه الاتفاقيات، والتداعيات المحتملة لذلك، وإمكانية إعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن وهذه الدول.
بعض الدول تُعامل كأدوات لتنفيذ سياسة داخلية أميركية دون مراعاة أوضاعها المحلية أو مصالح شعوبها.
وتقول الباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي إيمان الشعراوي في تقرير نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة إن دوافع بعض الدول الأفريقية لقبول استقبال المهاجرين المُرحلين، تتعدد ما بين اعتبارات سياسية واقتصادية وضغوط دبلوماسية، إلى جانب سعيها لتعزيز مكانتها الدولية.
سياسيا، يُمكن أن يُنظر إلى هذه الاتفاقيات كأداة لتسوية ملفات سياسية مع واشنطن، كما هو الحال في جنوب السودان الذي يسعى للاستفادة من هذا التعاون لرفع العقوبات الأميركية عن مسؤولين كبار واستعادة الدعم الأميركي في إدارة النزاعات الداخلية.
وفي أوغندا، يمثل قبول المهاجرين وسيلة لتعزيز موقع الرئيس يوري موسيفيني وتخفيف التوتر مع واشنطن بعد إقرار قانون مكافحة المثلية عام 2023، فيما تتعامل رواندا مع هذا التعاون ضمن إستراتيجية أوسع لترسيخ مكانتها كشريك موثوق للغرب والحصول على دعم أميركي في صراعها مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتستفيد مملكة إسواتيني من هذا الملف للحصول على دعم سياسي أو اقتصادي أميركي.
وأما البُعد الاقتصادي، فيشكل عاملاً محورياً في قبول هذه الاتفاقيات، إذ تواجه الدول الأفريقية المشارِكة قيوداً مالية وهيكلية مثل عجز الموازنات العامة، تراكم الديون الخارجية، ونقص التمويل في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
وفي هذا الإطار، توفر الاتفاقيات مع واشنطن منفذاً للحصول على دعم مالي مباشر أو تمويل مشاريع تنموية، ما يسهم في تعزيز تدفق العملة الصعبة وفتح فرص اقتصادية ملموسة، كما تمنح الحكومات وسيلة لتحفيز النشاط الاقتصادي دون زيادات كبيرة في الإنفاق الحكومي.
كما تشكل هذه الاتفاقيات وسيلة للاستجابة لضغوط التأشيرات الأميركية، فقد فرضت واشنطن في أبريل 2025 قيوداً مشددة على منح التأشيرات لمواطني عدة دول أفريقية، بما فيها جنوب السودان، وهو ما أثر في الطلاب ورجال الأعمال والجاليات المقيمة في الولايات المتحدة، وقد استخدمت هذه القيود كأداة ضغط لإجبار الدول على استقبال المهاجرين مقابل رفع القيود، أو لتحذير الدول التي رفضت المشاركة بأن موقفها قد يؤدي إلى فرض قيود مماثلة.

وإضافة إلى ذلك، يتيح التعاون في هذا الملف لبعض الحكومات الأفريقية تحسين صورتها الدولية باعتباره مساهمة في معالجة قضية إنسانية عالمية، مما يعزز مكانتها كشريك مسؤول أمام المجتمع الدولي وقد يقوي موقفها التفاوضي مع القوى الكبرى.
ومن جانبها، فرضت حملة ترحيل المهاجرين التي تقودها إدارة ترامب معادلات جديدة في العلاقات مع الدول الأفريقية، حيث أصبح ملف الهجرة أولوية تتجاوز أهميته العديد من الملفات التقليدية مثل التنمية الاقتصادية أو التعاون في مكافحة الإرهاب، وتحولت إلى أداة ضغط دبلوماسي تجبر الدول الراغبة في تحسين علاقاتها مع واشنطن على قبول المهاجرين، ما يشي بعلاقة مشروطة بطابع ابتزازي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للولايات المتحدة.
وتعكس هذه السياسة تحول العلاقة بين واشنطن والدول الأفريقية إلى علاقة غير متكافئة، إذ تُعامل بعض الدول كأدوات لتنفيذ سياسة داخلية أميركية دون مراعاة أوضاعها المحلية أو مصالح شعوبها، وهو ما يُعيد النقاش حول استخدام القارة كساحة لحل مشكلات العالم المتقدم واستمرارية صيغ الاستغلال الحديثة.
ومع ذلك، قد تترتب على هذه الاتفاقيات تأثيرات سلبية تشمل جوانب سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، إذ أسفرت عن انقسام واضح في الموقف الأفريقي بين الدول القبولية والدول الرافضة، مما يضعف قدرة الاتحاد الأفريقي على تبني موقف موحد.
كما يمكن أن يؤدي استقبال المهاجرين إلى تنامي الاحتجاجات والغضب الشعبي، خصوصاً إذا شعر المواطنون بأن حكوماتهم خاضعة لضغوط خارجية، وهو ما ظهر في مملكة إسواتيني.
حملة ترحيل المهاجرين التي تقودها إدارة ترامب فرضت معادلات جديدة في العلاقات مع الدول الأفريقية، حيث أصبح ملف الهجرة أولوية تتجاوز أهميته العديد من الملفات التقليدية
وتتعرض الدول المستضيفة لضغوط كبيرة على بنيتها التحتية في الصحة والتعليم، مما يشكل تحدياً لتقديم الخدمات بشكل مستدام، بينما لا يُعالج الدعم المالي المقدم من الاتفاقيات المشكلات الاقتصادية الهيكلية، ويزيد من العجز المالي ويؤثر على الاستقرار الاقتصادي.
كما تنمو المخاطر الأمنية بسبب احتمال وجود سجلات جنائية بين بعض المهاجرين أو فروق ثقافية واجتماعية تؤدي إلى تصاعد التوترات، وقد تؤثر هذه الاتفاقيات سلباً على سمعة الدول المستضيفة، مما يقلل من قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية ويجعلها تبدو كمستودع بشري للمهاجرين غير المرغوب فيهم.
وفي المستقبل، من المرجح أن تستمر سياسة ترحيل المهاجرين نحو أفريقيا، خاصة مع استمرار الضغوط الأميركية، وقد يشمل التوسع دولاً أخرى مثل بنين وزيمبابوي والغابون، فيما سيكون استمرار الظاهرة مرتبطاً بالسياق السياسي داخل الولايات المتحدة، ففي حال استمرار الحزب الجمهوري، قد تتعزز سياسة الترحيل، أما إذا عاد الحزب الديمقراطي، فقد تُراجع أو تُجمّد بعض السياسات المثيرة للجدل.
وعلى المدى المتوسط، قد تواجه هذه السياسة مقاومة متزايدة من الشعوب ومنظمات المجتمع المدني في أفريقيا، خاصة إذا بدأت آثارها الاجتماعية والأمنية تظهر بشكل ملموس، إذ أن استقبال مهاجرين دون أي رابط تاريخي أو قانوني قد يُنظر إليه كمساس بالسيادة الوطنية ويعيد إنتاج خطاب الهيمنة الغربية بصيغة جديدة.
ويُمكن أن يشهد ترحيل المهاجرين من الولايات المتحدة إلى الدول الأفريقية توسعاً خلال السنوات المقبلة، غير أن استمرار هذه الظاهرة يعتمد على قدرة الدول على تحمّل الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومدى التزام واشنطن بوعودها الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى القدرة على حماية سيادة الدول ومصالح شعوبها، مع مراعاة التأثيرات المحتملة على الاستقرار الأمني والاجتماعي والبنية المؤسسية، فضلاً عن الأبعاد الحقوقية والإنسانية التي قد تنشأ في حال استقبال المهاجرين دون إطار تنظيمي واضح، ما قد يؤدي إلى توترات داخلية وانتقادات دولية.

