شهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، أمس الجمعة واحدة من أبشع المجازر منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إذ استهدفت طائرة مسيّرة يُعتقد أنها تتبع للدعم السريع مسجدًا بحي الدرجة أثناء صلاة الفجر، ما أوقع 75 قتيلًا على الأقل بينهم أطفال وشيوخ، إضافة إلى عشرات الجرحى.
تفاصيل المجزرة
بحسب تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، كان المسجد مكتظًا بالمصلين حين وقع القصف، الأمر الذي ضاعف من حجم الكارثة. وأكدت التنسيقية أن المدينة تعاني شحًا حادًا في الأكفان والمواد الطبية، ما أعاق الإسعافات وعمليات الدفن، وسط أوضاع إنسانية وصحية متدهورة أصلًا بفعل الحصار المستمر.
ونعت نقابة أطباء السودان الطبيب الشاب عمر إسحق، خريج جامعة الفاشر، الذي كان من بين الضحايا. فيما وصفت جهات إغاثية الهجوم بأنه نُفِّذ عبر “مسيّرة انتحارية” استهدفت المسجد الذي لجأ إليه نازحون من المخيمات، حيث انتُشلت عشرات الجثث من تحت الركام.
وتعتبر الفاشر، التي يسكنها نحو 260 ألف مدني نصفهم من الأطفال، هي آخر مدينة رئيسية في الإقليم لا تزال تحت سيطرة الجيش بعد أكثر من عامين من الحرب الطاحنة. وقد فرضت قوات الدعم السريع عليها حصارًا دام أكثر من 500 يوم، تخللته هجمات بالقصف الجوي والمدفعي، فيما تعيش المدينة انقطاعًا شبه كامل في الإمدادات الغذائية والدوائية، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
ردود الفعل الداخلية
أدان مجلس السيادة الانتقالي الهجوم ونعى الضحايا الذين سقطوا في “بيت من بيوت الله”، واصفًا ما جرى بأنه “جريمة تندى لها جبين الإنسانية”، ومؤكدًا أن الدعم السريع يواصل استهداف المدنيين في انتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية.
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء كامل إدريس المجزرة جريمة حرب و”عملًا همجيًا”، قائلاً إنها استمرار لنهج ممنهج يقوم على الاستهداف العرقي والتغيير الديمغرافي بالعنف والحصار والتجويع. وتعهد إدريس بمحاسبة المسؤولين عنها والتنسيق مع المجتمع الدولي لتوثيق الانتهاكات ودعم صمود الأهالي.
الموقف الإقليمي والدولي
دانت الأمم المتحدة على لسان منسقها للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، استهداف مكان للعبادة، مؤكدًا أن الهجوم يمثل جريمة حرب بموجب القانون الدولي ويجب التحقيق فيه ومحاسبة المرتكبين. وحذر براون من أن استمرار حصار الفاشر خلق أزمة إنسانية خانقة مع انقطاع الغذاء والدواء والمواد المنقذة للحياة، داعيًا إلى إيصال المساعدات بشكل عاجل.
بدورها، حذرت منظمات غير حكومية، مثل “آفاز”، من مجازر قد تقع إذا تمكنت قوات الدعم السريع من دخول الفاشر، مشيرة إلى أن مجموعات غير عربية، ومنها الزغاوة، ستكون عرضة لاستهداف مباشر.
تصريحات سياسية
وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم اتهم بعض القوى الإقليمية والدولية بدعم التخريب الممنهج في السودان عبر ميليشيا الدعم السريع، لكنه أكد أن “المليشيا في حالة اضمحلال وضعف بفضل صمود الجيش والشعب”.
غياب تعليق من الدعم السريع
حتى مساء الجمعة، لم تصدر قوات الدعم السريع تعليقًا رسميًا على القصف، بينما دأبت على نفي استهداف المدنيين خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
الهجوم على المسجد في الفاشر يمثل إحدى أسوأ الجرائم الموثقة في مسار حرب السودان الأخيرة، ويؤشر على تصعيد دموي يهدد بكارثة إنسانية أكبر في دارفور، وسط حصار خانق وعجز دولي متفاقم عن حماية المدنيين.
