تُركت جثث ما لا يقل عن 20 من المرتزقة الكولومبيين في ثلاجات موتى داخل مشرحة سودانية، آلاف الأميال بعيداً عن وطنهم، بلا أحد يطالب بها.
كتب: ماثيو تشارلز
بعض من قضوا هناك، وربما لأشهر، كانوا يدركون حجم المخاطر التي يندفعون نحوها، لكن آخرين ظنوا أنهم وقعوا عقوداً عادية لوظائف أمنية لا أكثر.
بدلاً من ذلك، وجد هؤلاء الرجال، بعضهم لم يتجاوز سنوات المراهقة، أنفسهم مرميين كجنود للإيجار في الخطوط الأمامية لأحد أكثر الصراعات وحشية في العالم.
يقول أحد رفاقهم – كولومبيٌ يعرّف نفسه باسم “خوان” – من معسكر عسكري قرب مدينة نيالا بدارفور:
“لقد أبقوهم فوق الثلج… بعضهم كانوا معي في نفس الدورة”.
في الأسابيع الأخيرة خرجت تقارير عن مقاتلين كولومبيين ضمن صفوف قوات الدعم السريع حول مدينة الفاشر المحاصرة. مقاطع مصورة أظهرت رجالاً بملامح لاتينية يتحدثون الإسبانية ويقاتلون في شوارع المدن الصحراوية أو يدربون ميليشيات محلية.
المرتزقة الكولومبيون في رمال السودان
وجود مئات المرتزقة من أميركا الجنوبية في صحراء السودان أضاف بعداً دولياً جديداً وغير متوقع لحرب مفتوحة على مصراعيها أصلاً لتدخل اللاعبين الأجانب. لكنه ألقى الضوء أيضاً على عصر جديد من المرتزقة، حيث تلاشى الحرج من استخدامهم، وأصبح سوق السلاح البشري أكثر تنوعاً وازدهاراً.
خوان يقرّ بأنه واحد من نحو 300 جندي كولومبي سابق انجذبوا إلى جحيم السودان. ويقول إن كثيرين خُدعوا عبر وعود بوظائف أمنية خاصة في الإمارات.
العرض كان مغرياً: عقد رسمي، راتب شهري معفى من الضرائب بنحو 1900 جنيه إسترليني (2600 دولار) مع تذاكر الطيران مدفوعة.
ثم بدأت التفاصيل تتغير.
“قالوا لنا إننا سنحمي مواقع نفط وفنادق”، يقول خوان، الذي وقّع على اتفاق سرية قبل أن يصل أبوظبي في مارس الماضي مع نحو 60 آخرين.
ويضيف: “بعضهم كان يعلم أنه ذاهب إلى السودان، أما أنا ومعظمنا فلم نكن نعرف”.
بعد يوم في أبوظبي، تمت مصادرة الهواتف وجوازات السفر “لأسباب أمنية”. أُبلغ خوان أنه ذاهب إلى ليبيا لدورة تدريب. لكنه بعد وصوله إلى بنغازي، جرى نقله مع رفاقه عبر الصحراء إلى دارفور داخل مناطق تابعة للدعم السريع.
من الإمارات إلى دارفور
ليست تلك الطريق الوحيدة، فآخرون يصلون عبر مدينة بوساسو الصومالية، لكن الوجهة دائماً واحدة: نيالا ومعسكرات تدريب الدعم السريع.
هناك، بحسب خوان، يدير المرتزقة الكولومبيون دورات تدريبية تستمر خمسة أسابيع أو يتولون حراسة المطار.
يضيف: “الدفعات تضم مئات، وأحياناً أكثر من ألف، معظمهم مجرد صبية ومراهقين”.
منظمات حقوقية تؤكد أنّ تجنيد الأطفال ـ وهو جريمة حرب ـ واسع الانتشار في دارفور وغالباً يتم بالإكراه. الإعلام الكولومبي نشر صوراً لصبية يتلقون تدريباً على أيدي مرتزقة أجانب.
لكن الجيش السوداني يقول إن الكولومبيين لا يكتفون بالتدريب، بل يقاتلون على الجبهات في دارفور وكردفان، ويُستخدمون بمهارات متخصصة في الطائرات المسيّرة والاتصالات والتشويش.
ضابط بالجيش السوداني، أحمد صفل الدين، أكد: “لقد قتلنا عدداً منهم واستعدنا هويات كولومبية رسمية لإثبات الأمر”. زميله محمد علي أضاف: “هم يقاتلون منذ العام الماضي ولا يزالون هنا. نقتلهم ونجمع وثائقهم لرفع أي قضية قانونية لاحقاً”.
.
سوق عالمي مأجور
الحرب الطويلة للكولومبيا ضد مقاتلي الفارك وعصابات المخدرات خلفت جيلاً ضخماً من الجنود المجربين والمهرة الذين يتقاعدون صغاراً ويحتاجون إعالة عائلاتهم. منذ أكثر من عقد، استوعب المال الخليجي هذه المهارة ضمن شركات الأمن الخاصة. قاتل الكولومبيون في اليمن وأوكرانيا وغيرها مقابل أجور زهيدة مقارنة بنظرائهم من أميركا أو بريطانيا.
تقارير أكاديمية وصفت المحاربين القدامى في أميركا اللاتينية بأنهم أحد خمسة مصادر رئيسية لشبكات المرتزقة في العالم. ومع نهاية الحرب الباردة، ومع ظهور شركات مثل بلاك ووتر وساندلاين، تحول المرتزقة إلى صناعة عابرة للحدود.
وفي السنوات الأخيرة، دفعت روسيا السوق إلى مرحلة جديدة عبر مجموعة فاغنر التي استخدمت مرتزقة ومجرمين من السجون في أوكرانيا وسوريا وليبيا وأفريقيا.
الاستغلال والفخ
لكن قصة الكولومبيين في دارفور أبعد ما تكون عن “العصر الذهبي”. يقولون إنهم ضُللوا واستُغلوا. أحدهم أقر بأن الرواتب تتأخر وتُخصم منها “رسوم تشغيل” غامضة. آخرون أكدوا أن العودة تكاد تكون مستحيلة، حيث يُطلب منهم دفع تكاليف سفر باهظة إن أرادوا الخروج.
إحدى الأمهات في كولومبيا تروي أن ابنها البالغ 19 عاماً خدم خدمة عسكرية ثم وقع عقداً لوظيفة أمنية في فنادق بالإمارات، قبل أن تكتشف أنه في السودان. جرى تحذيرها من فتح فمها للإعلام: “قالوا لي إن لم أصمت فلن يعود ابني”.
شبكة تجنيد عابرة للقارات
الحكومة السودانية اتهمت شركات أمنية خاصة مقرها الإمارات، على رأسها “مجموعة جلوبال سيكيوريتي سيرفيسز” في أبوظبي، بأنها ضمن شبكة التجنيد. في بوغوتا، تتولى شركات وسماسرة استقطاب جنود كولومبيين متقاعدين. تقارير تشير بأصابع الاتهام إلى ضباط متقاعدين مثل العقيد ألفارو كويخانو وزوجته كلوديا أوليفيروس، لكن كليهما ينكران أي صلة.
السلطات الكولومبية تبحث الآن عن صيغ قانونية لملاحقة الوسطاء، ومساعدة العائلات على استعادة رفات ذويهم من السودان. المهمة شاقة: شبكة توظيف دولية وساحة صراع فوضوية، حيث حتى تأكيد هوية قتيل يستغرق أسابيع.
إحدى القنصليات نصحت أمّاً بجمع كل الأدلة الممكنة: مذكرات صوتية، نسخة من العقد، أرقام وسطاء في بوغوتا والخليج.
تقول: “أحاول جمع كل ذلك… لكن ابني خائف إلى درجة أنه لا يجرؤ على إعطائي المعلومات”.
المصدر: صحيفة التلغراف


