باماكو – في السنوات الأخيرة، أصبحت القارة الأفريقية ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية والجهات غير الحكومية على النفوذ، لكن المشهد ازداد تعقيدًا مع تزايد الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة، وعلى رأسها مجموعة فاغنر الروسية، التي مثلت رأس الحربة في الانتشار غير التقليدي لموسكو في أفريقيا، قبل أن تُعاد هيكلتها تحت مسمى “الفيلق الأفريقي” بعد مقتل قائدها يفغيني بريغوجين.
ويقول محللون إن فاغنر ليست وحدها في هذا الحراك المتسارع، إذ أن ساحة العمليات الأفريقية تشهد صعود نماذج جديدة من الفاعلين العسكريين غير الرسميين، تتراوح بين شركات شبه نظامية مدفوعة بمصالح إستراتيجية، وشركات متشددة تقدم خدماتها لجماعات متمردة أو إرهابية، في سياق يشهد انزياحا متزايدا عن منطق الجيوش الوطنية إلى نمط “المقاولين المسلحين.”
ومع تراجع ثقة الأنظمة الإفريقية الهشة في الحماية الغربية التقليدية، باتت هذه الشركات تعرض نفسها كبديل فعال، يوفر الأمن والاستقرار مقابل صفقات مربحة تتضمن امتيازات التنقيب عن الذهب أو إدارة موارد الطاقة. لكن هذا النموذج المصلحي لا يقف عند حدود مكافحة الإرهاب كما يُروّج، بل يتحوّل تدريجيًا إلى أداة تأثير جيوسياسي وأمني.
الساحة الأفريقية تشهد صعود نماذج جديدة من الفاعلين كالشركات التي تقدم خدماتها لجماعات متمردة أو إرهابية
وبينما تملأ الشركات الروسية (مثل فاغنر سابقًا والفيلق الأفريقي حاليًا) الفراغ في مالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، تتسلل نماذج أكثر تطرفًا وخطورة، تمثلها جماعات مسلحة خاصة درّبتها تنظيمات جهادية عابرة للحدود في سوريا والعراق وإيران.
وكشف مراقبون ومراكز أبحاث مثل “كارنيغي” و”آريس إنتليجنس” عن ظاهرة جديدة تتجلى في “الشركات العسكرية الخاصة المتشددة”، وهي مجموعات صغيرة تتألف من مقاتلين أجانب ذوي خبرة عالية، يعرضون خدماتهم على جماعات إرهابية إفريقية مقابل المال أو خدمة لقضية أيديولوجية.
ويتضح هذا بجلاء في حالة تحالف الحوثيين اليمنيين، المدعومين من الحرس الثوري الإيراني، مع جماعات مثل حركة الشباب الصومالية وداعش الصومال.
ويتجاوز هذا التحالف الدعم السياسي إلى التزويد بتكنولوجيا عسكرية متقدمة، تشمل المسيّرات والصواريخ وتكتيكات الحرب غير المتناظرة، وهو ما أدى إلى تصعيد نوعي في العمليات الإرهابية في القرن الأفريقي.
وقد نقل الحوثيون خبراتهم في تصنيع المسيّرات وتوجيه الصواريخ إلى حلفائهم في إفريقيا، وبدأت تتكرر مشاهد استخدام هذه التكنولوجيا في هجمات تستهدف مراكز أمنية في الصومال.
و في يناير، سجّل تنظيم داعش الصومال أولى هجماته باستخدام المسيّرات، في دلالة واضحة على نوعية التحول الجاري. كذلك، تم تتبع أسلحة ذات منشأ إيراني في يد حركة الشباب، وهو ما أكده رئيس الصومال الذي أشار إلى أن هذه الأسلحة تُغذي عودة الإرهاب وتزعزع الاستقرار.
ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الأدلة على نشاط جماعات مثل “ملحمة تاكتيكال” و”مهاجر تاكتيكال”، التي تنشط في سوريا، وتقدم تدريبًا متقدمًا لمقاتلين من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، قبل أن يُعاد توجيههم إلى الساحات الأفريقية.
وتعمل هذه الجماعات، التي تنشط غالبًا تحت مظلات غير رسمية، على تجنيد وتدريب عناصر إرهابية بخبرات ميدانية عالية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات مشفرة، وتستفيد من العملات الرقمية في تمويل توسعها.

وقد بات هذا النموذج يُقلد ويُنسخ في إفريقيا، حيث يظهر “المدربون” من الشرق الأوسط ضمن مجموعات متمردة، يقدّمون خبرات متقدمة في القنص والقتال الليلي والعلاج الميداني وتنسيق المسيّرات.
وفي هذا السياق، لا تقتصر التهديدات على تصاعد الإرهاب فحسب، بل تطال أيضًا منطق السيادة، إذ إن هذه الجماعات تمارس نفوذًا مستقلاً عن الدول، وتبني شبكات تمويل وتسليح وتحالفات عابرة للحدود، يصعب على الحكومات تتبعها أو احتواؤها. كما أن اعتماد بعض الأنظمة على هذه الشركات الخاصة – سواء كانت روسية الطابع أو ذات طابع جهادي – يضع مستقبل الدولة الوطنية على المحك، ويكرّس منطق الخصخصة الأمنية الذي أثبتت التجارب أنه يُنتج فوضى أكثر من أن يحقق استقرارًا.
ويفرض توسّع الشركات العسكرية الخاصة المتشددة في إفريقيا تحديات جديدة على استراتيجيات مكافحة الإرهاب التقليدية، والتي غالبًا ما عولت على الضربات الجوية أو التعاون الاستخباراتي.
واليوم، تواجه القارة نمطا أكثر مرونة وانتشارا وخفاءً، تتطلب مواجهته فهمًا معمقًا للبُنى الجديدة: شبكات تهريب، تدريب عبر الحدود، لوجستيات رقمية، وتسويق أيديولوجي مغلّف بالاحترافية.
ولم يعد ما يجري في أفريقيا مجرد تنافس بين جيوش ودول، بل بات ساحة مفتوحة لتعاقدات غير رسمية بين جماعات مسلحة ومقاتلين محترفين، في تمازج خطير بين الربح والإرهاب.
وبينما تهيمن فاغنر على الصورة العامة، فإن الظاهرة أبعد وأعمق، وتتطلب نقاشًا عالميًا حول مستقبل الأمن، وشرعية القوة، وحدود تدخل الفاعلين غير الحكوميين في ساحات تعاني أصلا من الهشاشة.
اكتشاف المزيد من اليراع
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.