الخرطوم ـ تجددت الاشتباكات المسلحة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في وقتٍ ارتفع فيه عدد ضحايا القصف الذي استهدف مخيم أبو شوك للنازحين إلى 20 قتيلاً بينهم خمسة من أسرة واحدة، فيما أصيب 31 آخرون بجراح متفاوتة، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقاً لما أفادت به شبكة أطباء السودان.
تصعيد واسع
الهجوم العنيف على مخيم النازحين جاء في إطار تصعيد واسع تقوده قوات «الدعم السريع»، والتي شنت خلال اليومين الماضيين قصفاً متكرراً على أحياء ومحاور جنوب المدينة. فيما أعلنت لجان مقاومة الفاشر، أمس الجمعة، تنفيذ «الدعم» هجوما جديدا على الفاشر، مشيرة إلى أن القوات المدافعة تتصدى لهجوم واسع النطاق على المحور الجنوبي.
وحسب شبكة أطباء السودان، فإن أغلب الضحايا في مخيم أبو شوك، هم من الأطفال والنساء، وسط دمار واسع لحق بالمساكن داخل المعسكر.
وفي مشهد مأساوي يكشف عمق الكارثة، رصدت حالات لأمهات حملن أشلاء أطفالهن بعد القصف، واضطررن إلى دفنهم داخل الخيام أو ما تبقى من بيوتهن.
ووصفت الشبكة القصف بأنه «جريمة حرب» مكتملة الأركان، وتشكل وصمة عار في جبين الإنسانية، مؤكدة أن «ما جرى في أبو شوك لا يمكن وصفه إلا بمجزرة منظمة ضد المدنيين العزل».
ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى التدخل العاجل لحماية المدنيين، ووقف ما وصفتها بـ«الإبادة الصامتة» في دارفور.
وقالت في بيانها: «تحوّل المعسكر من ملاذ آمن للضحايا إلى مقبرة جماعية، وامتلأت خيامه بصرخات الثكالى وأنين الجرحى. ما يحدث يدّون بدماء الأبرياء تاريخاً أسود في سجل الجرائم ضد الإنسانية».
وتزامن القصف على الفاشر مع إعلان القوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة للجيش السوداني استعادة السيطرة على مدينة أبو قعود في ولاية شمال كردفان، بعد يومين فقط من استيلاء قوات «الدعم السريع» عليها.
وفي بيان للقوة المشتركة أكدت أنها «فرضت واقعاً جديداً على الأرض»، بعد معركة دامية تم فيها تدمير 92 عربة تابعة لقوات «الدعم السريع»، والاستيلاء على 72 عربة أخرى، بالإضافة إلى تحييد العشرات من مقاتلي «الدعم» وأسر آخرين.
وقال البيان: «لقد تهاوت الميليشيا تحت ضربات الثوار، وأثبت الميدان أن السودان لا يحكم بالترهيب ولا تنهب ثرواته بالخيانة»
في غضون ذلك، أعربت الحكومة السودانية عن رفضها لبيان صدر عن مجموعة «متحالفون» يوم الأربعاء الماضي، والذي انتقد أداءها فيما يخص الوضع الإنساني في السودان.
ورأت الحكومة أن البيان تجاهل تماماً ما وصفتها بـ«الحقائق الأساسية»، وعلى رأسها مسؤولية قوات الدعم السريع عن استهداف قوافل الإغاثة ومحاصرة المدنيين.
وأكدت أن الجيش السوداني «ملتزم بتأمين القوافل الإنسانية»، ورفضت المساواة بين القوات المسلحة «كمؤسسة وطنية دستورية» وبين ما وصفتها بـ «ميليشيا إرهابية خارجة عن القانون».
وقالت الحكومة: «من المؤسف أن تتغاضى جهات دولية عن أن ميليشيا الدعم السريع هي التي تحاصر المدن وتستهدف المعسكرات وتمنع وصول الغذاء والدواء. لا نقبل الإملاءات من أي جهة لا تحترم سيادة السودان وحقه في حماية أراضيه».
ارتفاع عدد قتلى قصف مخيم أبو شوك لـ20 بينهم أسرة كاملة
والخميس، نفت القوات المسلحة السودانية اتهامات وجهتها لها قوات «الدعم السريع» بقصف رتل إغاثي تابع لبرنامج الغذاء العالمي في منطقة مليط شمال دارفور.
وأكد المتحدث باسم الجيش، العميد نبيل عبد الله، أن «ما ورد في بيان الدعم السريع محض أكاذيب معتادة، تهدف إلى التغطية على جرائمها في حق المدنيين»، مشيراً إلى أن «الدعم السريع هو من يستهدف القوافل ويمنع وصول الإغاثة عبر الحصار الممنهج».
وأضاف: « أن قوات الدعم السريع حولت عدداً من معسكرات النازحين، مثل زمزم، إلى قواعد عسكرية تستخدم لتدريب أطفال قصر بمساعدة «مرتزقة أجانب»، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي.
في بيان مشترك صدر عن مجموعة «متحالفون» المكونة من سويسرا، الإمارات، الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، عبرت هذه الأطراف عن «استيائها البالغ» من التدهور الإنساني المتسارع في السودان، خاصة في شمال دارفور وكردفان، وأكدت أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر.
وشدد البيان على ضرورة التزام أطراف النزاع بوقف القتال فوراً، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عراقيل، مع التأكيد على تفعيل اتفاق جدة الموقع في مايو/ أيار 2023، والذي يلزم بحماية المدنيين وتسهيل الإغاثة.
وقال البيان «يجب إزالة العوائق البيروقراطية فوراً، وضمان فتح معابر جديدة مثل معبر أدري، إضافة إلى الطرق التي تمر عبر خطوط التماس نحو دارفور وكردفان. كما يجب ضمان حرية التنقل الآمن للمدنيين، واستعادة خدمات الاتصالات، وحماية البنية التحتية الحيوية».
ودعا البيان إلى هدنة إنسانية شاملة تشمل جميع مناطق النزاع، تمهيداً لاستئناف مسار تفاوضي دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد.
وأمس أعربت وزارة الخارجية الكويتية عن إدانة دولة الكويت الشديدة لاستهداف شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في السودان في انتهاك مرفوض وصارخ للقوانين والأعراف الدولية وللجهود الإنسانية.
وذكرت الخارجية الكويتية في بيان لها، أن دولة الكويت تستنكر مثل هذه الأعمال الإجرامية، مجددة دعوتها إلى ضرورة الالتزام بما ورد في إعلان جدة الصادر في 11 مايو/أيار 2023 ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن.
كما تشدد على دعمها الكامل للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى جمهورية السودان والحفاظ على وحدة أرضه وسلامة شعبه. كذلك أعربت الإمارات عن إدانتها الشديدة للهجوم و«الذي يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني»، مؤكدة أهمية حماية أمن وسلامة المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي.
وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان على ضرورة التزام الأطراف المتحاربة في السودان بما ورد في إعلان جدة، لضمان حماية المدنيين وتأمين ممرات المساعدات الإنسانية والإغاثية، مشددة على ضرورة إعطاء الأولوية لمصلحة الشعب السوداني وحمايته من تداعيات الحرب. وجددت الإمارات موقفها الثابت الداعي إلى وقف إطلاق النار فورا، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، والعمل على دعم المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب الداخلية وتحقيق تطلعات الشعب السوداني نحو السلام والاستقرار.
أزمة إنسانية تتفاقم
وبينما تستمر العمليات العسكرية في الفاشر ومناطق أخرى من دارفور وكردفان، تتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق. وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن أكثر من 7 ملايين شخص معرضون لخطر الجوع الشديد، فيما يحتاج نحو 25 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
وفي ظل استمرار الهجمات على المدنيين واستهداف المعسكرات، تتصاعد الأصوات المحلية والدولية المطالبة بتحقيق دولي مستقل في الجرائم التي ترتكب بحق النازحين، وخاصة في معسكرات الفاشر.

