موفد فرانس24 إلى الفاتيكان – دافع البابا فرنسيس، الذي توفي في 21 نيسان/أبريل عن 88 عاما، بـ”صراحة وقوة” عن المهاجرين في مناسبات عديدة. وشكل ملف الهجرة قطب الرحى في تحركاته، ولم يتردد الحبر الأعظم الراحل في مناسبات عديدة في إطلاق نار الانتقادات على حكومات وزعماء، وعلى رأسهم ترامب، بسبب سياساتهم بشأن هذا الملف. فكيف يرى زوار الفاتيكان من مؤمنين وفضوليين مواقف البابا حيال هذه الفئة؟
“أتفق كليا مع المواقف التي كان يعبر عنها البابا فرنسيس بشأن المهاجرين”. كان هذا أول جواب لفانسونزو، وهو إيطالي موظف بأحد المصارف، عندما تحدث لنا بحماس كبير عن التزام الحبر الأعظم خلال فترة توليه المسؤولية على رأس الفاتيكان بالدفاع عن قضايا هذه الفئة الهشة لا سيما أمام تصاعد شعبية اليمين المتطرف.
ويستحضر فانسونزو رسائل البابا شديدة اللهجة تجاه ترامب بعد أن وجه له انتقادات لاذعة حول سياسته بخصوص المهاجرين. ويثني على هذا “الرجل الكبير” الذي “يعتز به الإيطاليون”، ويقول عنه “إنها مفخرتنا جميعا”. فهو “وإن كان يتكلم باسم جميع سكان العالم، يمكن أن أقول إنه يبقى إيطاليا أولا”.

ورفض البابا الراحل بشدة سياسة ترامب تجاه ملف الهجرة. ففي يناير 2025، أعرب الحبر الأعظم عن مخاوفه من تأثيرات عمليات الترحيل الجماعية التي كان الرئيس الأمريكي تعهد بتنفيذها في حق المهاجرين غير النظاميين.
وفي سبتمبر 2024، وفي خضم حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. هاجم البابا المرشحين ترامب وكامالا هاريس: “كلاهما ضد الحياة. الشخص الذي يتخلص من المهاجرين والشخص الذي يقتل الأطفال”، في إشارة منه إلى حق الإجهاض الذي دافعت عنه مرشحة الديمقراطيين وقتها.
البابا فرنسيس…الشخصية الدينية التي دافعت عن المهاجرين بـ”صراحة وقوة”
ولا يختلف سائق التاكسي جوني عن فانسونزو كثيرا في رأيه بشأن مواقف البابا الراحل من الهجرة والمهاجرين. لقد كانت “صريحة وقوية”، ولم يتعاط يوما مع الشأن الإنساني بال”دبلوماسية” التي قد يختارها البعض لعدم إغضاب الحكومات والمسؤولين.
وارتبط اسم البابا فرنسيس بالهجرة والمهاجرين، وشكلت هذه القضية الإنسانية، برأي جميع المراقبين، الملف الأقرب إلى قلبه. ولم يكن يوما يهادن الحكومات في الغرب والشرق على السواء عندما كان يأخذ الكلمة دفاعا عن هذه الشريحة التي تركت بلدانها للاستقرار في دول أخرى لأسباب مختلفة.
وفي كلمة شهيرة له بمرسيليا في سبتمبر 2023، سبتقى للتاريخ، حذر البابا الراحل من الأخطار التي تهدد حياة المهاجرين. وقال: “هناك صرخة ألم مدوية أكثر من أي شيء آخر تحول بحرنا إلى بحر الأموات، وتحول البحر الأبيض المتوسط من مهد الحضارة إلى قبر الكرامة”.
وشدد البابا فرنسيس حينها على أن من واجب الحكومات الأوروبية أن تنقذ طالبي اللجوء الذين يفرون بحرا هربا من النزاعات، محذرا من “شلل الخوف”. وقال أيضا “لا يمكننا أن نبقى شهودا على مآسي الغرق بسبب عمليات الاتجار الكريهة وتعصب اللامبالاة”، قبل أن يضيف “علينا أن ننقذ الأشخاص الذي يتعرضون لخطر الغرق عندما يتركونهم فوق الأمواج. إنه واجب إنساني، إنه واجب الحضارة”.
“ليس لدينا أي فكرة حول الموضوع”
لكن هناك شباب أوروبي يجهل هذه المواقف للبابا. ففي مقهى مجاور للفاتيكان كان شاب وصديقته يتناولان مشروبا وسط تبادل للحديث بحرارة جلية، يمكن أن يسمع تفاصيلها الآخرون. ويبدو أن كلامهما كان مرتبطا بحياتهما الخاصة، وليس لديه أي علاقة بحدث وفاة الحبر الأعظم. لم يكن أي منهما يعلم أن البابا كانت له مواقف بخصوص الهجرة. فحسب قول الشابة: “ليس لدينا أي فكرة حول الموضوع”.
وغير بعيد من الفاتيكان، كانت شابة أخرى في العشرينات من العمر تتكئ على حائط قصير يطل على نهر التيبر. لم تحضر هذه الشابة إلى العاصمة الإيطالية قادمة من السويد لأجل الحدث الذي يستقطب وسائل الإعلام العالمية ، بل أنها أتت لأجل “المشاركة في حصة لتعلم الرقص”. وهي بدورها لم تكن تعلم أن “البابا له مواقف حول الهجرة”، حسب تعبيرها.
وعند مشارف الفاتيكان، كان بائع صحف بنغالي يتحدث للشرطة التي طالبته بالابتعاد عن المكان، وهو مهاجر في إيطاليا منذ 12 عاما، قبل أن نتوجه إليه بأسئلتنا حول رأيه بشأن مواقف البابا من المهاجرين، إلا أنه تفادى الرد عليها رغم محاولاتنا العديدة، ليقول في خضم الحديث إليه إنه يقيم في هذا البلد الأوروبي لوحده، ويعيل أسرته التي بقيت في بلاده.
البابا الذي “حارب” على كل الجبهات دفاعا عن المهاجرين
لم يكتف الحبر الأعظم في دفاعه عن المهاجرين بالجبهتين الأمريكية والأوروبية خاصة التي كانت رئيسية في معركته لصالح هذه الفئة. إذ في تموز/يوليو 2013، اختار البابا المنتخب حديثا آنذاك، الجزيرة المتوسطية الصغيرة لامبيدوزا للقيام بأول رحلة له خارج روما. ومن هناك ندد “بعولمة اللامبالاة” تجاه المهاجرين.
وفي يوليو تموز من 2020 خلال عظة بمناسبة ذكرى مرور سبع سنوات على زيارته للجزيرة الإيطالية، ندد من الفاتيكان بـ”الجحيم” الذي يتعرض له المهاجرون في مخيمات الاحتجاز في ليبيا.
هي مواقف، يقول سائق التاكسي جوني “لا يمكن لأي كان إلا أن يثني عليها سواء كان إيطاليا أو غير إيطالي. المهم الآن من سيأتي بعده وهل سيتبع نفس المسار الذي سار فيه، ولا يهم أن تكون جنسية البابا الجديد إيطالية أو غير إيطالية. فسواء كان من أوروبا أو أمريكا أو آسيا أو أفريقيا، فلا يهم. فالأساسي ما الذي يمكن له أن يقدمه على رأس الفاتيكان في السنوات المقبلة”.




