صاندي تلغراف: السفارتان الأمريكية والفرنسية أتلفتا جوازات السودانيين المتقدمين لتأشيرات وتركتهم وسط الحرب

نشرت صحيفة “صاندي تلغراف” تقريرا أعده كامبل ماكديمارد، قال فيه إن فرنسا والولايات المتحدة تخلصت من جوازات طالبي التأشيرات السودانيين تاركة إياهم عالقين وسط الحرب التي اندلعت الشهر الماضي في الخرطوم.

وبررت باريس وواشنطن القرار بأنه تنفيذ لبرتوكول وتجنب لوقوع المواد الحساسة في الأيدي الخطأ. إلا أن هذا لم يفعل الكثير للتخفيف من غضب المواطنين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم وسط القتال.

وقالت سلمى علي، المهندسة التي قدمت جواز سفرها للسفارة الأمريكية: “أسمع صوت المقاتلات والقصف من نافذة البيت، وأنا عالقة هنا بدون مخرج”. وعندما اندلع القتال أول مرة في 15 نيسان/ أبريل بين القوات المتنافسة والتابعة للجنرالين اللذين يحكمان السودان، القوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، حميدتي، حيث وجد الدبلوماسيون أنفسهم وسط النيران وسارعوا للخروج من الخرطوم.

وكان إجلاء السفارات متعجلا لدرجة أن الكثيرين ومنهم مواطنون بريطانيون، تركوا وراءهم جوازات السفر التي تم تقديمها للحصول على تأشيرات. ولم تقل أي من الحكومتين كم هو عدد الجوازات التي تُركت أو أُتلفت. وقالت الحكومة البريطانية إن أي وثيقة تركت في سفارتها بالخرطوم خُزنت في مكان آمن. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الشهر الماضي: “نعترف بأن هذا الوضع خطير جدا، وسنواصل العمل وتحديد الحلول لمن تأثروا”.

ولكن متحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، قالت إن ما تم “هو عمل إجرائي روتيني” لإتلاف وثائق “يمكن أن تقع في الأيدي الخطأ ويساء استخدامها”. مضيفة: “لأن المناخ الأمني لم يسمح لنا بإعادة الجوازات بطريقة آمنة، فقد اتّبعنا الإجراء المعروف وهو إتلافها بدلا من تركها وراءنا غير مؤمنة”.

وواجهت الولايات المتحدة في السابق انتقادات، بعدما أتلفت جوازات الأفغان التي تُركت في السفارة الأمريكية بالعاصمة كابول، حيث عادت طالبان للسيطرة على أفغانستان صيف عام 2021. وفي تلك الحالة كان باستطاعة الأفغان التقدم بطلبات جديدة لحكومة طالبان. وفي السودان فقد أُغلق مكتب الجوازات نظرا للقتال.

وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد أوردت يوم الجمعة في تقرير لمراسلها ديكلان وولش أن المسؤولين في السفارة قد أتلفوا الجوازات السودانية بناء على اعتبارات أمنية تاركين أصحابها وسط الحرب. وأضاف وولش، أن مهمة أخيرة وحيوية ظلت قبل أن يجلى الدبلوماسيون من الخرطوم في جنح الليل، حيث تسلح المسؤولون الأمريكيون بخراطات الورق والمطارق والكاز، واتبعوا بروتوكلا حكوميا وأتلفوا كل الوثائق السرية والمعدات الحساسة، بحسب مسؤولين وشهود عيان.

وفي الوقت الذي وصلت فيه مروحيات “شينوك” حاملةً على متنها قوات الكوماندوز، وهبطت خلف السفارة في بعد منتصف 23 نيسان/أبريل، كان الطابق الرابع ممتلئا بأكياس من الورق المخروط. واحتوى كوم الأكياس على أوراق تعتبر مهمة للسودانيين، جوازات سفرهم، وبعضهم تركها في السفارة قبل أيام من اندلاع الحرب، وبعضها تعود للعاملين في السفارة.

ومع بدء عمليات الإجلاء خشي المسؤولون من وقوع الوثائق في الأيدي الخطأ ولهذا حولوها إلى قصاصات. وبعد شهر على الخروج الأمريكي، لا يزال الكثير من السودانيين وسط الحرب وغير قادرين على الخروج. ولم يكن الأمريكيون وحدهم من دمر جوازات سفر السودانيين المتقدمين بطلبات تأشيرة، بل تركتها السفارات الأجنبية الأخرى في خزائن سرية لا يمكن الوصول إليها، ولكنها لم تتلف.

ومن بين ثماني دول استجابت لأسئلة الصحيفة بشأن جوازات السودانيين، اعترفت السفارة الفرنسية أنها أتلقت جوازات طالبي التأشيرات السودانيين على أرضية أمنية. وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنها أتلقت جوازات سفر بدون تحديد العدد.

وقالت متحدثة باسم الخارجية طلبت عدم الكشف عن هويتها: “إنه إجراء روتيني خلال هذه الأوضاع واتخاذ الاحتياطات وعدم ترك الوثائق والمواد أو المعلومات التي قد تقع في الأيدي الخطأ أو يساء استخدامها”.

وكانت المهندسة علي تأمل بالسفر إلى شيكاغو من أجل المشاركة في دورة تدريبية، ومن هناك إلى فيينا للعمل مع مؤسسة تابعة للأمم المتحدة: “إنها الوظيفة التي كنت أحلم بها” وبدلا من ذلك، فقد حُجزت مع عائلتها في بيت بضواحي العاصمة الخرطوم، وتصلّي كي لا يصل القتال إليهم.

وأضافت بصوت مرتجف: “أشعر بالإحباط… قام الدبلوماسيون الأمريكيون بإجلاء مواطنيهم، ولكنهم لم يفكروا بالسودانيين، فنحن بشر أيضا”.

أما الحاج شرف الدين (26 عاما) فقد قال إنه حصل على قبول لإكمال الماجستير في جامعة ولاية أيوا الأمريكية، وكان من المتوقع أن يحصل على التأشيرة في 16 نيسان/ أبريل حيث اندلع القتال قبل يوم من الموعد. وحصل على رسالة إلكترونية من السفارة الأمريكية تعلمه أن جوازه أُتلف. وقال: “هذا صعب.. الوضع خطير جدا هنا”.

ونقلت الصحيفة عن شهود عيان أن تدمير وثائق السفر كان قرارا صعبا بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين الذين اعتقدوا أن هذا سيعيق هروب السودانيين. وزاد من صعوبة القرار، أن التلف أصاب جوازات سفر العاملين السودانيين في السفارة. وكان بعضهم قد تقدم بطلبات تأشيرة للمشاركة في دورات تدريبية، وترك بعضهم جوازاتهم في السفارة للحفاظ عليها. وقال مسؤول أمريكي رفض الكشف عن اسمه: “كان هناك غضب كبير بشأن هذا.. خلفنا وراءنا أشخاصا كانوا أوفياء لنا ولم نكن أوفياء لهم”.

وأشار التقرير إلى مصير جوازات سفر الأفغان الذين استطاعوا تقديم طلبات لحكومة طالبان. وفي السودان، فإن أشرس المعارك حدثت في المكان الموجود به مكتب الجوازات. وتساءلت علي عن سبب عدم حمل المسؤولين الأمريكيين الوثائق معهم في حقيبة. وقال النائب السابق عن نيوجيرسي، توم مالينوسكي، الذي ساعد الأفغان العالقين عام 2021، إن جواز السفر هو “قطعة من الممتلكات الثمينة والمنقذة للحياة” مضيفا: “إنه أمر كبير أن تُتلف شيئا كهذا مع أن من واجبنا الحفاظ على ذلك الشخص”.

وفي مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين من عدة دول، قالوا إنه بات من المستحيل العمل في الخرطوم بعد إطلاق الرصاصة الأولى. فقد حلّقت الطائرات فوق مناطق الخرطوم بما فيها الأحياء التي تقع فيها السفارات، فيما خرج مقاتلو الدعم السريع وردّوا بإطلاق النيران.

لكن السودانيين الناقدين، قالوا إن السفارات الأجنبية كان يمكنها عمل المزيد، خاصة أنها بذلت الجهود من أجل تأمين مواطنيها. وقامت الطائرات العسكرية من بريطانيا وألمانيا وتركيا وفرنسا بنقل الآلاف من الخرطوم. وحلقت المسيّرات فوق الحافلات المحملة بالأمريكيين الذين كانوا في طريقهم إلى بورتسودان التي تبعد 525 ميلا عن العاصمة.
وقال المواطنون السودانيون الذين طلبوا المساعدة من السفارات الأجنبية، إن طلباتهم قوبلت بالصمت والتعليقات الغامضة أو النصيحة غير المساعِدة مثل الحصول على جواز سفر جديد. وقال محمد صلاح الذي قدم جوازه للسفارة الهندية: “لا توجد سلطات اليوم في السودان، فقط حرب”.

والسفارة الوحيدة التي قدمت عونا هي الصينية، التي وضعت رقم هاتف بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، وطلبت من المتقدمين للتأشيرات الحضور واستعادة جوازاتهم.

ومع أن مجمع السفارة الأمريكية على النيل في جنوب الخرطوم كان بعيدا عن الحرب بأميال، إلا أن المسؤولين خافوا من انقطاع الإمدادات وبدأوا بإتلاف الجوازات والوثائق الحساسة قبل أن يعلن بايدن رسميا في 21 نيسان/ أبريل عن عمليات الإجلاء.

وتم وضع الوثائق الحساسة في مخرطة ورق حوّلتها إلى قصاصات صغيرة، وقام المسؤولون بتدمير وسحق الإلكترونيات، وآلة جوازات فيما اندلعت النيران في خلف السفارة. وزادت وتيرة الإتلاف مع قرب عمليات الإجلاء، حيث ناشد المسؤولون عبر مكبر الصوت العاملين للمساعدة في عمليات خرط الأوراق.

وقبل ساعات من هبوط مروحيات “شينوك” بين السفارة والنيل مخلفة وراءها زوبعة من الغبار أنزل مشاة البحرية الأمريكية العلم الأمريكي خارج السفارة. وفي نفس الوقت كانت السفارات الأخرى في حالة تأهب كامل، حيث وصف سفير أوروبي كيف سحق ختمه الرسمي.

Share this post